المسارعة إلى الخيرات: كيف تسبق إلى جنات النعيم؟

# المسارعة إلى الخيرات: سبيل النجاة ومنهاج المتقين

الحمد لله الذي جعل الدنيا مضماراً للسباق، وميدانًا للتنافس في طاعته لنيل الدرجات العلا، والصلاة والسلام على إمام المتقين وسيد المسارعين إلى مرضاة رب العالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

إنَّ الله -جل في علاه- لم يخلق الخلق عبثاً، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لغاية عظمى ومهمة كبرى، وهي عبادته وحده لا شريك له. وقد جعل هذه الدار الدنيا دار ممر لا دار مقر، وحرثاً للآخرة، وميداناً يتسابق فيه المؤمنون لنيل القربات، فالسعيد من اغتنم أنفاسه في طاعة ربه، والشقي من فرط في أيامه حتى بغته أجله.

مفهوم المسارعة والاستباق في ميزان العبودية

إن المتأمل في نصوص الوحيين يجد أن الله تعالى لم يأمرنا بمجرد فعل الخير، بل ندبنا إلى ما هو أسمى من ذلك، وهو “الاستباق” و”المسارعة”. والاستباق إلى الخيرات قدرٌ زائدٌ على مجرد العمل؛ فهو يتضمن المبادرة إليه، وتكميله، وإيقاعه على أكمل الوجوه وأحسن الأحوال في أول أوقاته.

هذا الاستباق هو أبلغ في العبودية، وأدل على صدق المحبة؛ فإن النفوس الفاضلة والهمم العالية لا ترضى بالدون، بل تنزع دائماً نحو القمة، وتنتفع بالمنافسة الشريفة طلباً للحاق بأهل الفضل والتقدم عليهم. إن المسارعة في الخيرات هي علامة علو الهمة، وسمو النفس، وهي أمارة واضحة على حرص العبد على مرضاة ربه، وشغفه بالتقرب إليه.

قدوات المسارعين: الأنبياء عليهم السلام

لقد كان الأنبياء -وهم صفوة الخلق- أسرع الناس إلى مرضاة الله. فهذا كليم الله موسى -عليه السلام- يترك قومه ويعجل إلى ميقات ربه شوقاً وطاعة، ويقول كلمته الخالدة التي سطرها القرآن: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]. فلم يكن تعجله إلا طلباً لمزيد من الرضا والقرب.

أما نبينا محمد ﷺ، فقد كان القدوة الحية في المبادرة. يروي الإمام البخاري أن النبي ﷺ صلى بأصحابه ذات يوم، ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فلما خرج إليهم قال: «ذكرتُ شيئاً مِنْ تِبرٍ عندنا -أَيْ من ذَهَبِ الصدقَةِ- فكرِهتُ أن يحبِسَني، فأمرتُ بقسمتِه». انظروا كيف كره النبي ﷺ أن يحبسه مال الصدقة عن الله ولو للحظات، فبادر إلى قسمته ليتخفف من تبعاته.

وقد أثنى الله على المؤمنين من الأمم السابقة بصفة المسارعة، فقال تعالى: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ في الْخَيْرَاتِ} [آل عمران: 114]. ثم أمر هذه الأمة المحمدية بالمسارعة إلى مغفرته وجنته فقال: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران: 133].

مدرسة الصحابة في ميدان السباق

لقد فقه أصحاب رسول الله ﷺ هذا المعنى، فكانت حياتهم سلسلة من المبادرات والسباقات الإيمانية:

1. السباق نحو محبة الله ورسوله

لما قال النبي ﷺ يوم خيبر: «لأعطينَّ هذه الراية رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، لم ينم الصحابة ليلتهم من شدة تطلعهم لهذا الشرف، فباتوا يدوكون أيهم يُعطاها، وغدوا كلهم يرجو أن يكون هو ذلك الرجل، حرصاً على نيل محبة الله ورسوله.

2. التنافس في إكرام النبي ﷺ

حتى في الضيافة كانوا يتنافسون؛ ففي الهجرة تنازع الأنصار أيهم ينزل عليه رسول الله ﷺ، فكان يقول: «أنزلُ على بني النجار، أخوال عبد المطلب؛ أكرمهم بذلك».

3. الجد في بناء بيوت الله

وفي بناء المسجد النبوي، كان الصحابة ينقلون اللبنات واحدة واحدة، أما عمار بن ياسر فكان ينقل لبنتين لبنتين، طلباً للأجر من الله، حتى قال له النبي ﷺ: «يا عمارُ، ألَا تحملُ لَبِنَةً كما يحملُ أصحابُكَ؟»، فقال بلسان المحب المشتاق: “إني أريد الأجر من الله”.

4. غبطة الفقراء للأغنياء في الطاعة

ولم يقتصر السباق على الأبدان، بل امتد إلى القلوب والهمم؛ فقد جاء فقراء المهاجرين يشكون للنبي ﷺ أن الأغنياء ذهبوا بالدرجات العلى، لأنهم يصلون ويصومون مثلهم، لكنهم يتصدقون ويعتقون ولا يملك الفقراء ذلك. إنها منافسة شريفة في الآخرة، لا في حطام الدنيا.

5. المبادرة إلى معرفة الهدى

وحتى في دقائق السنن، كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يبتدر الناس ليدخل الكعبة خلف النبي ﷺ، ليسأل بلالاً: «أين صلى النبي ﷺ؟»؛ ليقتدي به في صلاته.

الصديق أبو بكر: السابق الذي لا يُلحق

وإذا ذكر السباق، برز اسم أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- الذي لم يترك باباً من أبواب الخير إلا ولجه. حاول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يوماً أن يسبقه، فجاء بنصف ماله، فإذا بأبي بكر قد جاء بماله كله! فقال عمر كلمته الشهيرة: «لا أسابقك إلى شيء أبداً».

وفي يوم واحد، سأل النبي ﷺ أصحابه: «من أصبح منكم اليوم صائماً؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكيناً؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضاً؟» قال أبو بكر: أنا. فقال ﷺ: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة».

التحذير من فوات الفرص وعقوبة التقاعس

إن المسارعة ليست مجرد فضيلة، بل هي ضرورة للنجاة؛ فالعزائم والهمم سريعة الانتقاض، والشيطان بالمرصاد. يقول ابن القيم -رحمه الله- في تحذير شديد: “والله سبحانه يعاقب من فتح له باباً من الخير فلم ينتهزه بأن يحول بين قلبه وإرادته”. وهذا مصداق قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24].

وقد حثنا النبي ﷺ على المبادرة بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن التي تلتبس فيها الأمور، فقال: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا».

عوائق في طريق المسارعة

هناك عقبات تصد العبد عن السباق، يجب الحذر منها:
1. كثرة الجدال: فالمراء يشغل القلب عن العمل، وقد نهى الله المؤمنين عن جدال المشركين في القبلة وأمرهم بالاستباق: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}.
2. اتباع الهوى: فالهوى يعمي عن الحق ويثقل الأركان عن الطاعة.
3. الانشغال بما لا يعني: فمن علامة إعراض الله عن العبد أن يشغله بمالا ينفعه في دينه ولا دنياه.

كيف تكون من السابقين؟

أيها المسلم، إن أردت أن تكون من المقربين في الآخرة، فكن من المسارعين في الدنيا.

  • اغتنم الأوقات الفاضلة: بادر إلى الصف الأول، وبكر إلى الصلوات، فقد قال ﷺ: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا».
  • نوع في الطاعات: إن حبسك عذر عن باب، فافتح باباً آخر، فالطاعات كثيرة.
  • أخلص النية: فمن حبسه العذر، بلغه الله بنيته الصادقة منازل السابقين.
  • احذر العجب: إذا وفقك الله لسبق، فاحمد الله على توفيقه، ولا تعجب بعملك فيحبط.

ختاماً، تذكر قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * في جَنَّاتِ النَّعِيمِ}. فبقدر سبقك هنا، يكون قربك هناك. فاستعن بالله ولا تعجز، وجاهد نفسك لتكون في طليعة الوفود الذاهبة إلى الله.

اللهم اجعلنا من السابقين إلى الخيرات، المقربين في جنات النعيم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *