المسجد الأقصى أمانة الأمة: واجبات النصرة وحقوق المقدسات

# المسجد الأقصى المبارك: أمانةٌ في الأعناق وواجبٌ لا يقبل التأجيل

يحتل المسجد الأقصى المبارك في وجدان الأمة الإسلامية مكانةً لا تضاهيها مكانة، فهو ليس مجرد بناءٍ من حجر وطين، بل هو جزءٌ من عقيدة المسلم، وآيةٌ من كتاب الله تُتلى إلى يوم الدين. إن الحديث عن الأقصى هو حديثٌ عن التاريخ، والحاضر، والمستقبل؛ فهو القلب النابض الذي يربط الأرض بالسماء، وهو الميزان الذي يُعرف به عزة الأمة أو ذلها. في هذا المقال، نبحر في أعماق هذه الأمانة العظيمة، لنستذكر الفضل، ونستشعر المسؤولية، ونرسم طريق النصرة.

مكانة المسجد الأقصى في الشريعة الإسلامية

إن منزلة المسجد الأقصى في الإسلام منزلةٌ سامية، أرساها الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل، وأكدتها السنة النبوية المطهرة. فهو مسرى النبي ﷺ ومنطلق معراجه إلى السماوات العلى، حيث قال الله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

أولى القبلتين وثالث الحرمين

لم يكن الأقصى مجرد مسجد عابر، بل هو القبلة الأولى التي توجه إليها المسلمون في صلاتهم قبل أن يُؤمروا بالتوجه نحو الكعبة المشرفة. هذا الربط الإلهي بين المسجدين الحرام والأقصى يجعل من التفريط في أحدهما تفريطاً في الآخر. وقد رغّب النبي ﷺ أمته في شدّ الرحال إليه والصلاة فيه، وبيّن عظيم أجرها ورفعة قدرها، بما يدل على علو منزلته ومكانته العالية في الإسلام. إن الصلاة فيه تضاعف الأجور، والجلوس في رحابه عبادة، والنظر إلى قبابه يحيي في النفس معاني العزة والإيمان.

الأقصى أمانة عالمية لا تقبل التجزئة

إن حفظ المسجد الأقصى، والذبّ عنه، والسعي لرفع كربه والضر الذي أصابه من وطأة الاحتلال، ليس شأن شعب دون آخر، ولا أهل بلدة دون أخرى. إنها قضية الأمة بكافتها، من مشرق الأرض إلى مغربها. إن حصر القضية في نطاق جغرافي ضيق هو خذلان للمقدسات، وتقزيم لواجب شرعي أصيل.

أمانة في أعناق الجميع

هذه الأمانة لا تسقط عن أحدٍ بتقصير غيره، ولا تقبل التأجيل بحال من الأحوال. إنها واجبٌ متعيّن بحسب الوسع والطاقة، يؤديه كلٌّ بحسب علمه وقدرته وموقعه. فالمسلم في أقصى الأرض مسؤول عما يحدث في القدس بقدر استطاعته، والتقاعس عن هذه المسؤولية هو ثلمة في جدار الإيمان لا يسدها إلا العمل الدؤوب والنصرة الصادقة.

سبل نصرة المسجد الأقصى: أدوار ومهمات

تتعدد طرق النصرة وتتنوع بتنوع قدرات الأفراد وتخصصاتهم، فلا يُعذر أحدٌ بالقعود ما دام يملك قلماً أو لساناً أو مالاً أو فكراً. إليكم تفصيلٌ للأدوار التي يمكن أن يقوم بها أبناء الأمة:

1. الدور المعرفي والتوعوي

يأتي في مقدمة الواجبات التعريف بقضية الأقصى وتاريخه. فهناك من يجهل معالمه، ومن يخلط بين حدوده، ومن لا يعرف فضله. لذا وجب على أهل العلم والمثقفين:

  • تبيين الفضل والمكانة: من خلال الدروس، والمحاضرات، والمقالات.
  • كشف المعالم وتوضيح الحدود: ليعرف المسلم أن الأقصى هو كل ما دار حوله السور، وليس فقط قبة الصخرة أو المصلى القبلي.
  • فضح المخططات: كشف المشاريع الصهيونية التي تهدف لتهويد القدس وتقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً.
  • 2. الدور الإعلامي والتقني

    في عصرنا الحالي، أصبحت الكلمة والصورة سلاحاً لا يقل أهمية عن السلاح المادي. ومن هنا تبرز أهمية:

  • النصرة بالكلمة والقلم: كتابة المقالات، والتدوين عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإيصال صوت الأقصى للعالم.
  • تفنيد الشبهات: الرد على الأكاذيب الصهيونية والمزاعم التاريخية الباطلة حول الهيكل المزعوم.
  • إحياء الحضور الرقمي: جعل قضية الأقصى حاضرة دائماً في “التريند” العالمي لضمان عدم نسيانها.
  • 3. الدور المادي والإغاثي

    إن المرابطين في أكناف بيت المقدس يمثلون خط الدفاع الأول عن الأمة، ودعمهم واجب شرعي:

  • بذل المال: لدعم صمود أهل القدس، وترميم بيوتهم، وكفالة عائلات المرابطين.
  • خدمة الأوقاف: دعم المؤسسات التي تحافظ على الأقصى وترعى برامجه العلمية والدعوية.
  • 4. الدور التربوي والإيماني

    الأقصى يجب أن يعيش في قلوب الناشئة:

  • تربية الأبناء: غرس حب الأقصى في نفوس الأطفال منذ الصغر، وتعليمهم أنه جزء من عقيدتهم.
  • الدعاء الصادق: وهو سلاح المؤمن الذي لا يستهان به، بالدعاء له في المحاريب، وفي الخلوات، ومن على المنابر.

واقع الأقصى الأليم: استصراخ للضمائر

يعيش المسجد الأقصى اليوم تحت وطأة عدوانٍ متواصل لا يرقب في مؤمنٍ إلاً ولا ذمة. لقد بلغت الجرأة بالاحتلال أن يمنع أهله من إقامة الجمع والجماعات فيه، وحيل فيه بين مؤذنه والأذان، وانتهكت حرماته بالاقتحامات اليومية والتدنيس المستمر.

صرخة من قلب القدس

إن الأقصى يستصرخ ضمائر الأمة، وينادي في أهل الإيمان أن يقوموا بحقه، وأن يدفعوا عنه كيد المعتدين. إن من أعظم الخذلان أن تُهمَل قضيته، أو تُزاحم في القلوب بقضايا تافهة، أو تُختزل في عاطفةٍ عابرة لا تُثمر عملًا ولا تقوم بمسؤولية. العاطفة وحدها لا تحرر أرضاً، والدموع وحدها لا تحمي مقدساً؛ بل لا بد من العمل المقترن بالإخلاص.

التحذير من الخذلان والتقاعس

إن قضية الأقصى ستبقى حيّةً بوعود الله، لا تموت بتقاعس الناس، ولا تُطفأ بضعف النصرة. ولكن الخوف كل الخوف على من يتخلف عن الركب. فليتّقِ اللهَ كلُّ منا في نصيبه من هذه الأمانة؛ فإن التقصير فيها خذلان للنفس قبل أن يكون خذلاناً للمسجد.

لا تستصغر أثرك

فلا يكن أحدُنا غائبًا عن ميدانه، ولا متخلّفًا عن واجبه، ولا مستصغرًا لأثره؛ فإن القليل مع الصدق يُبارك فيه، والواجبات إذا تفرّقت على الأمة قام بها مجموعها. إن الكلمة التي تكتبها، أو الدرهم الذي تنفقه، أو الدعوة التي ترفعها، قد تكون هي الميزان الذي يثقل كفتك يوم القيامة حين تُسأل عن مسرى نبيك ﷺ.

خاتمة: العهد والوفاء

إن القيام بحق المسجد الأقصى هو شرفٌ وعبادة، وهو دليلٌ على حياة القلب وقوة الإيمان. سيبقى الأقصى شامخاً، وسيبقى المرابطون فيه تيجاناً على رؤوس الأمة، وما علينا إلا أن نحدد موقعنا من هذه الملحمة الإيمانية. هل سنكون من الناصرين العاملين؟ أم من المتفرجين الغافلين؟

اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واجعلنا من جندك الذين ينصرون مقدساتك، وارزقنا صلاةً في المسجد الأقصى وهو عزيزٌ غانم، وطهر رحابه من دنس المعتدين.

والله الهادي إلى سواء السبيل.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *