انطلاق جولة جنيف الثالثة: آفاق دبلوماسية في ظل حالة “اللاحرب واللاسلم”
أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن تفاؤله الحذر حيال انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات الإيرانية الأمريكية في مدينة جنيف السويسرية، معتبراً إياها خطوة جوهرية نحو إنهاء حالة التوتر المتصاعدة مع واشنطن. وفي كلمة بثها التلفزيون الرسمي الإيراني، أكد بزشكيان أن بلاده ترى “أفقاً واعداً” لهذه المحادثات، مشيراً إلى أن المسار الدبلوماسي يمضي بتوجيهات من المرشد الأعلى لتجاوز حالة الانسداد السياسي الراهنة وتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وتأتي هذه الجولة، التي تقودها وساطة عُمانية، كاستكمال لمساعٍ بدأت في مسقط ثم انتقلت إلى جنيف. وقد غادر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي طهران متوجهاً إلى سويسرا للمشاركة في المباحثات التي يلتقي فيها بالمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في محاولة للتوصل إلى صيغة اتفاق تعالج المخاوف المشتركة وتنهي القطيعة الاقتصادية والعسكرية.
ترامب وطهران: حرب تصريحات حول الصواريخ والبرنامج النووي
في مقابل الخطاب الدبلوماسي الإيراني، شهدت الساحة السياسية تصعيداً كلامياً حاداً، حيث وصفت وزارة الخارجية الإيرانية اتهامات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن برنامجها الصاروخي بأنها “أكاذيب كبرى”. وكان ترامب قد أكد في خطاب “حال الاتحاد” أمام الكونغرس أن طهران تسعى لامتلاك صواريخ باليستية قادرة على ضرب الأراضي الأمريكية، وهو ما نفاه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، معتبراً أن هذه الادعاءات تكرار لسياسات التضليل التي تستهدف البرنامج النووي والقدرات الدفاعية لبلاده.
وفي هذا السياق، شدد عباس عراقجي على أن طهران لا تملك القدرة أو النية لاستهداف الأراضي الأمريكية مباشرة، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط ستكون أهدافاً مشروعة في حال تعرضت إيران لأي ضربة عسكرية واشنطن. كما أكد أن إيران لن تطور أسلحة نووية تحت أي ظرف، مع التمسك بحقها في التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية.
الملف الحقوقي واحتجاجات يناير: أرقام متضاربة وتوترات مستمرة
لم يقتصر الخلاف على الملفين النووي والصاروخي، بل امتد ليشمل ملف حقوق الإنسان؛ حيث زعم الرئيس الأمريكي أن السلطات الإيرانية تسببت في مقتل 32 ألف شخص خلال الاحتجاجات التي اندلعت في ديسمبر ويناير الماضيين. من جانبها، رفضت طهران هذه الأرقام جملة وتفصيلاً، حيث أقر المسؤولون الإيرانيون بسقوط نحو 3000 قتيل، مرجعين العنف إلى ما وصفوه بـ “أعمال إرهابية” مدعومة من الخارج، وتحديداً من الولايات المتحدة وإسرائيل.
الخيار العسكري والضغوط الإقليمية: تهديدات تطال لبنان
بالتزامن مع طاولة المفاوضات، يعزز الجيش الأمريكي وجوده العسكري في منطقة الخليج، وسط تهديدات باستخدام القوة في حال فشل الدبلوماسية. وفي داخل الإدارة الأمريكية، كشفت تقارير عن خلافات بين ترامب وكبار مستشاريه العسكريين، حيث حذر الجنرال دان كين من مخاطر الانزلاق إلى صراع طويل الأمد، وهي التقارير التي وصفها ترامب بـ “الأخبار الكاذبة”.
إقليمياً، امتدت شرارة التوتر إلى لبنان، حيث نقلت مصادر رسمية رسائل إسرائيلية غير مباشرة تهدد بضرب البنية التحتية اللبنانية والمطار في حال انخرط حزب الله في أي مواجهة بين إيران وواشنطن. وفي المقابل، أبدى حزب الله نوعاً من ضبط النفس، مشيراً عبر مسؤولين فيه إلى أنه قد لا يتدخل عسكرياً إذا اقتصرت الضربات الأمريكية على أهداف “محدودة” داخل إيران، في محاولة لتجنيب المنطقة حرباً إقليمية شاملة.
مقترحات إيرانية لاتفاق تاريخي: اليورانيوم مقابل رفع العقوبات
كشف مسؤولون إيرانيون أن طهران مستعدة لاتخاذ خطوات ملموسة لبناء الثقة، تشمل نقل نصف مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج والمشاركة في اتحاد إقليمي للتخصيب، شريطة اعتراف واشنطن بحقها في التخصيب السلمي ورفع العقوبات الاقتصادية الخانقة. ومع استمرار الخلافات الجوهرية حول مكان التخصيب، يبقى التساؤل قائماً: هل تنجح جولة جنيف الثالثة في تحقيق اختراق تاريخي، أم أن لغة الصواريخ والتهديدات العسكرية ستكون لها الكلمة الأخيرة؟
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً