المنهج النبوي في صياغة الوعي الحضاري: كيف تعامل المصطفى ﷺ مع ثقافات عصره؟

المنهج النبوي في صياغة الوعي الحضاري: كيف تعامل المصطفى ﷺ مع ثقافات عصره؟

المنهج النبوي في صياغة الوعي الحضاري: كيف تعامل المصطفى ﷺ مع ثقافات عصره؟

إن مصطلح "الثقافة" غدا اليوم من أكثر المصطلحات تداولاً في المحافل الفكرية، بيد أنه أضحى حمال أوجه، تتقاذفه المشارب المتباينة والتيارات المتصارعة، كلٌّ يطوعه وفق أيديولوجيته أو انتمائه العقدي. ومن هنا، كان لزاماً على الفكر الإسلامي الرصين أن يبرز المنهج النبوي في التعامل مع الثقافة، مستنداً إلى الثوابت الشرعية والقواعد الكلية التي أرساها نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.

أولاً: في رحاب اللغة والاصطلاح

إن لفظة "الثقافة" في اللسان العربي الأصيل تضرب بجذورها في عمق البيان؛ فكلمة (ثَقَفَ) تدور حول معانٍ جليلة. يقول ابن فارس رحمه الله:

"(ثَقَفَ) الثاء والقاف والفاء أصلٌ واحدٌ تترجع إليه فروعُه، وهو إقامةُ شيءٍ مائل. يقال: ثَقَفْتُ القَناةَ، إذا أَقَمْتَ مَيْلَها. قيل:

صَادَفَ الخارِزُ كَفَّيْ صانعٍ … نَظَرَ الصَّانعُ في مَنْدُوجِها

حتَّى إذا قَوَّمَ مِنْ مَيْلِها … ثِقَافُهُ بَعْدَ تَلَجْلُوجِها

وثَقِفْتُ هذا الكلامَ من فلانٍ، إذا لَقِنْتَه ثَقَفاً. ورجلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إذا كان يَلْقَنُ ما يسمعُه على وَجْهه. ويقال: ثَقِفْتُ به، إذا ظَفِرْتَ به، قال الله تعالى: {مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا} [الأحزاب: 61]، وقال تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: 191]، وقال أيضاً: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال: 57].

فإن قيل: ما وجهُ القُرْبِ بين هذا والأول؟ قيل له: الظَّافِرُ بالشيء إذا ظفر به فقد حواه وأمسكه، وكذلك الغالب للشيء يمسكه، فالقياس في الاستعمالين واحد."

أما في الاصطلاح المعاصر، فقد عرفها الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله بأنها: "مجموعة من الصفات الأخلاقية والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كعاصمة أولية في الوسط الذي ولد فيه". بينما اعتمد مجمع اللغة العربية تعريفاً جامعاً يرى أن الثقافة هي: "مجموع العلوم والمعارف والفنون التي يُطلب الحِذق فيها".

ثانياً: تصنيف الثقافات في الميزان النبوي

من سبر أغوار السيرة النبوية العطرة، يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع الموروث الثقافي السائد بمنطق الوحي الذي يميز الخبيث من الطيب، ويمكن تقسيم هذا التعامل إلى ثلاثة مسارات:

1. الثقافة الهدامة: الموقف الحازم والرفض المطلق

وقف النبي صلى الله عليه وسلم سداً منيعاً أمام كل ثقافة تهدم أركان التوحيد أو تخدش كمال الشريعة، ومن أمثلة ذلك:

  • حماية حمى التوحيد: جاءت رسالة الإسلام مهيمنة ومتممة، قال الله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]. وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرأ في صحيفة من أهل الكتاب، فقال:

    "أمُتَهَوِّكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني".

  • اجتثاث الخرافة والدجل: كانت السحر والكهانة ثقافة متجذرة، فأبطلها الإسلام وجعلها كفراً. قال الله عز وجل: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102]. وفي الحديث الصحيح:

    "من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد".

  • التميز في الشعائر والأعياد: أبدل النبي صلى الله عليه وسلم أعياد الجاهلية بما هو خير منها، فعن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال:

    "إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر".

2. الثقافة البناءة: الاستيعاب والتوظيف

لم يكن الإسلام يوماً منغلقاً على النافع من حضارات الأمم، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم سباقاً لتبني ما يخدم الأمة ويقوي شوكتها:

  • الخاتم النبوي: حين قيل له إن الملوك لا يقرؤون كتاباً إلا إذا كان مختوماً، اتخذ صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة نقشه "محمد رسول الله"، موظفاً بذلك عرفاً دولياً في خدمة الدعوة.
  • الابتكار العسكري والسياسي: تجلى ذلك في حفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي رضي الله عنه، واستخدام المنجنيق، واحترام الأعراف الدبلوماسية كعدم قتل الرسل، حيث قال لرسولي مسيلمة الكذاب:

    "والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما".

  • الانفتاح اللغوي: أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت رضي الله عنه بتعلم لغة اليهود (السريانية أو العبرية) ليأمن مكرهم، بل ونطق هو نفسه بكلمات حبشية تلطفاً مع جارية صغيرة حين قال لها: "يا أم خالد، هذا سَنَه"، والسنه بالحبشية تعني الحسن.

3. الثقافة المتأرجحة: الضبط والترشيد

وهي الثقافات التي تحمل وجهاً من النفع ووجهاً من الفساد، فجاء المنهج النبوي ليرشدها:

  • القيام للناس: نهى عنه إذا كان على وجه التعاظم والغرور، وأقره إذا كان لإرهاب العدو أو التكريم المشروع، كما في موقف المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وهو قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف في صلح الحديبية.
  • التصوير والفنون: حرم ما فيه مضاهاة لخلق الله أو تعظيم لذي روح، ورخص في لعب الأطفال لما فيها من مصلحة تعليمية وتربوية.
  • الشعر والبيان: هذب النبي صلى الله عليه وسلم هذه الثقافة العربية الأصيلة، فذم الشعر الذي يملأ القلب عن ذكر الله، ومدح الصادق منه فقال:

    "إن من الشعر لحكمة".
    وحث حسان بن ثابت رضي الله عنه على هجاء المشركين دفاعاً عن الحق.

خاتمة: حكمة نبوية خالدة

إن المنهج النبوي في التعامل مع الثقافة هو منهج "التزكية"؛ فهو لا يهدم لمجرد الهدم، ولا يقبل لمجرد التقليد، بل هو ميزان رباني يزن القيم بمكيال الوحي. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى استلهام هذه البصيرة النبوية لنبني ثقافة إسلامية معاصرة، تستوعب منجزات العصر دون أن تذوب فيه، وتحافظ على أصالتها دون أن تنغلق عن العالم.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *