يُعد النفط في فنزويلا أكثر من مجرد مورد طبيعي؛ إنه العمود الفقري الذي أعاد تشكيل هوية البلاد السياسية والاقتصادية. بامتلاكها لأضخم احتياطيات نفطية مؤكدة على كوكب الأرض، تحولت فنزويلا في أوائل القرن العشرين من بلد يعتمد على الزراعة التقليدية إلى قوة طاقة عالمية واقتصاد ريعي بامتياز. ومع ذلك، فإن هذا الثراء الفائق جعل الدولة رهينة لتقلبات الأسواق الدولية والأزمات الهيكلية، مما خلق مزيجاً معقداً من النمو والاضطراب.
الجذور التاريخية: من الاستخدام التقليدي إلى التصدير الإمبراطوري
لم يكن اكتشاف النفط في فنزويلا وليد العصر الحديث؛ فقد عرفه السكان الأصليون قبل الاستعمار واستخدموه في أغراض علاجية، والإنارة، وطلاء القوارب. ومع وصول الإسبان في القرن السادس عشر، أدرك الأوروبيون قيمة هذه المادة في صيانة السفن والمعدات العسكرية.
- أول شحنة نفطية: سُجل عام 1539 كأول تاريخ رسمي لتصدير النفط الفنزويلي، حينما أُرسل برميل واحد إلى إسبانيا بهدف علاج "نقرس" الإمبراطور كارل الخامس.
- بداية الحفر التجاري: رغم المعرفة القديمة، لم تبدأ عمليات الحفر المنهجية إلا في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين تحت حكم "خوان فيسنتي غوميز"، الذي منح امتيازات واسعة لشركات أجنبية مثل "رويال داتش شل".
المحطات الفارقة في صناعة "الذهب الأسود"
شهدت فنزويلا تحولات جذرية حولتها إلى لاعب أساسي في سوق الطاقة العالمي عبر عدة محطات:
- اكتشاف حقل ميني غراندي (1914): في حوض ماراكايبو، كان هذا الاكتشاف نقطة التحول التجارية التي فتحت الباب لتدفق الاستثمارات الأجنبية.
- انفجار بئر باروسو رقم 2 (1922): لفت هذا الحدث أنظار العالم إلى الإمكانات الهائلة لفنزويلا، مما أدى إلى تدافع الشركات الدولية للاستثمار.
- الريادة العالمية (1928): أصبحت فنزويلا أكبر مصدر للنفط في العالم، وثالث أكبر منتج عالمياً بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي آنذاك.
التبعات الاقتصادية وظاهرة "المرض الهولندي"
أدى النمو الانفجاري لقطاع النفط إلى تهميش القطاعات الأخرى، وخاصة الزراعة. ووقع الاقتصاد الفنزويلي في فخ "المرض الهولندي"، حيث أدى تدفق العملة الصعبة من النفط إلى رفع قيمة العملة المحلية، مما جعل الصادرات غير النفطية غير تنافسية، وأضعف الصناعات التحويلية والإنتاج المحلي.
السيادة الوطنية وتأسيس "بتروليوس دي فنزويلا"
مرت إدارة الثروة النفطية بمراحل قانونية وسياسية حاسمة لتعزيز سيطرة الدولة:
- قانون المحروقات (1943): أقر مبدأ تقاسم الأرباح بالمناصفة (50/50) بين الحكومة والشركات الأجنبية.
- التأميم الكامل (1976): في الأول من يناير 1976، استردت الدولة السيطرة الكاملة على مواردها وتأسست شركة "بتروليوس دي فنزويلا" (PDVSA)، التي أصبحت لاحقاً واحدة من عمالقة النفط عالمياً بفضل استحواذاتها الدولية.
عهد "الثورة البوليفارية" والتحولات العميقة
مع تولي هوغو شافيز الرئاسة عام 1999، دخلت الصناعة النفطية مرحلة "التسييس الهيكلي":
- النفط كأداة اجتماعية: جرى توجيه معظم إيرادات PDVSA لتمويل البرامج الاجتماعية، مما أثر على الميزانيات المخصصة للصيانة والتطوير الفني.
- **الإضراب النفطي (2002


اترك تعليقاً