يشهد المشهد اليمني تحولات دراماتيكية متسارعة، حيث تداخلت التحركات العسكرية الميدانية مع الإعلانات السياسية الجريئة، مما وضع البلاد أمام مرحلة مفصلية جديدة. فمن قلب محافظة حضرموت النفطية إلى أروقة المجلس الانتقالي الجنوبي، تتسارع الأحداث لترسم خارطة طريق قد تغير وجه اليمن في المستقبل القريب.
عملية "استلام المعسكرات" في حضرموت: تحول ميداني استراتيجي
بدأت شرارة التطورات الأخيرة من محافظة حضرموت، كبرى محافظات اليمن مساحة، حيث أعلن المحافظ "سالم الخنبشي" صباح الجمعة عن انطلاق عملية عسكرية تحت مسمى "استلام المعسكرات". تهدف هذه العملية، بحسب التصريحات الرسمية، إلى تسلّم المواقع العسكرية من قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بشكل سلمي ومنظم.
أبرز محطات التصعيد الميداني:
- تكليف رئاسي: جاءت خطوة الخنبشي بعد ساعات من تكليفه من قبل رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بقيادة قوات "درع الوطن" في المحافظة.
- اشتباكات معسكر الخشعة: اندلعت مواجهات داخل معسكر اللواء 37 في منطقة الخشعة بوادي حضرموت، وهو أحد أكبر القواعد العسكرية الاستراتيجية، حيث أعلنت القوات الحكومية سيطرتها الكاملة عليه لاحقاً.
- التدخل الجوي: أشارت تقارير إلى تدخل مقاتلات تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية لاستهداف كمائن نصبتها قوات الانتقالي لعرقلة تقدم قوات "درع الوطن".
في المقابل، نفت قيادات المجلس الانتقالي سقوط المعسكر، مؤكدة ثبات قواتها في مواقعها، فيما دعا "أحمد سعيد بن بريك" إلى التعبئة العامة لمواجهة ما وصفه بـ "الغزو القادم من الشمال".
إعلان عيدروس الزبيدي: عامان نحو "استقلال الجنوب"
بالتوازي مع الحراك العسكري، فجّر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، مفاجأة سياسية بإعلانه بدء مرحلة انتقالية لمدة عامين. تهدف هذه المرحلة، وفقاً لرؤيته، إلى التمهيد لإجراء استفتاء شعبي تحت رعاية دولية لتقرير مصير الجنوب وتحقيق الاستقلال.
النقاط الجوهرية في إعلان الزبيدي:
- الحوار السياسي: الدعوة لحوار شامل يُتوج بالاستفتاء.
- الإعلان الدستوري: التلويح بإعلان دستوري لـ "استعادة دولة الجنوب العربي" يكون نافذاً فوراً في حال تعرض الجنوب لاعتداءات عسكرية أو في حال تجاهل المطالب المطروحة.
- الشرعية الشعبية: التأكيد على حق تقرير المصير عبر آليات سلمية وشفافة.
من جهتها، ردت الحكومة اليمنية بلسان نائب وزير خارجيتها، محمد أحمد نعمان، مشككة في حصول الزبيدي على تفويض شعبي كامل، ومشترطة خروج "المليشيات" من المناطق التي دخلتها قبل البدء بأي حوار.
التحركات الإقليمية: انسحاب إماراتي وانتشار سعودي
لم تكن القوى الإقليمية بمعزل عن هذه التطورات، حيث شهدت الساعات الماضية تحركات بارزة لكل من السعودية والإمارات:
- السعودية وتعزيز السيادة البحرية: أعلن التحالف بقيادة المملكة اكتمال انتشار القوات البحرية السعودية في بحر العرب، في مهمة تهدف إلى مكافحة التهريب والتفتيش، مما يعزز الرقابة على السواحل اليمنية.
- الإمارات وإنهاء المهام: أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية العودة الكاملة لقواتها المسلحة من اليمن، بعد إنهاء مهام فرق مكافحة الإرهاب. جاء هذا القرار في أعقاب توتر سياسي تمثل في إلغاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي لاتفاقية الدفاع المشترك مع أبوظبي.
نحو مؤتمر رياضي للحل الشامل
في محاولة لاحتواء الأزمة وتوحيد الصفوف، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، المملكة العربية السعودية لاستضافة مؤتمر موسع في الرياض يضم كافة المكونات الجنوبية، بما في ذلك المجلس الانتقالي.
وقد رحبت الخارجية السعودية بهذه الدعوة، مؤكدة دعمها لإيجاد تصور شامل وعادل للقضية الجنوبية يلبي تطلعات الشعب اليمني ويحافظ على استقرار المنطقة.
الخلاصة
يبقى اليمن أمام سيناريوهات مفتوحة؛ فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في الرياض في احتواء التصعيد ورسم مسار سياسي توافقي، أو أن تنجرف الأوضاع نحو مزيد من المواجهات الميدانية التي قد تعيد صياغة التحالفات وموازين القوى على الأرض.


اترك تعليقاً