بركات السحور: أسرار الغداء المبارك وفضائله العظيمة في رمضان

مقدمة: رمضان شهر الفيض والبركات

لا تجدُ لغة العرب، على اتساع بيانها وفصاحة تبيانها، وصفاً يفي شهر رمضان حقه كمدحه بوصف “البركة”؛ تلك الكلمة التي تختزل في طياتها معاني النماء، والزيادة، والخير المستمر الذي لا ينقطع. إن هذه الصفة الربانية تنطبق على هذا الشهر الكريم من كل وجهٍ واعتبار؛ فرمضان -في حقيقته وجوهره- هو بركةٌ تفيض على الأوقات فتبارك في ساعاتها، وبركةٌ تحلُّ في الأعمال فتقبل قليلها وتضاعف كثيرها، وبركةٌ تتجلى في الأجور فترفع الدرجات إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.

ومن أبهى صور هذه البركة التي منَّ الله بها على أمة الإسلام، تلك النعمة العظيمة والمنحة الجليلة المعروفة بـ “السحور”. تلك الأكلة التي قد يراها البعض مجرد زادٍ للبدن، لكنها في ميزان الشرع عبادةٌ جليلة، وقربةٌ نبيلة، تحمل في طياتها أسراراً روحية وفوائد بدنية تجعل من الصيام رحلة إيمانية ميسرة مفعمة بالنشاط واليقين.

السحور: الغداء المبارك بنص النبوة

حين نتأمل في هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، يبرز أمامنا حديث أنس رضي الله عنه الذي يضع النقاط على الحروف في بيان قيمة هذه العبادة، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تسحّروا؛ فإن في السحور بركة» (متفق عليه). إن هذا الأمر النبوي الكريم «تسحروا» ليس مجرد إرشادٍ عابر، بل هو إشارةٌ واضحة إلى ما اختصت به هذه الأكلة من فيوضات الرحمة، سواء ما تعلق منها بصلاح أمر الدنيا وقوة البدن، أو ما توجه إلى شؤون الآخرة ورفعة الدرجات.

لقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم السحور بـ “الغداء المبارك”، كما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السحور في رمضان، فقال: «هلمّ إلى الغداء المبارك» (رواه أبو داود والنسائي). وهي تسميةٌ توحي بأن هذا الطعام ليس كغيره، بل هو طعامٌ محفوفٌ بالعناية الإلهية، ومباركٌ في أثره ونفعه.

أولاً: السحور اتباعٌ للسنّة واقتداءٌ بالهدي النبوي

إن أولى بركات هذه العبادة وأعظم ثمارها، هي تحقيق صفة الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم. فالمسلم حين يقوم من نومه في جوف الليل ليطعم لقيمات، فإنه لا يفعل ذلك استجابةً لنداء الجوع فحسب، بل يفعل ذلك إحياءً لسنة نبيه الذي كان مداوماً عليها، حريصاً على تعليمها لأصحابه.

وقد كان الصحابة الكرام يدركون هذا المعنى جيداً؛ فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: “تسحرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قام إلى الصلاة”، فقيل له: كم كان بين الأذان والسحور؟ فقال: «قدر خمسين آية» (رواه البخاري). وفي هذا الحديث دلالةٌ على أن السحور كان جزءاً أصيلاً من الجدول اليومي للنبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وأنه كان يحرص على تأخيره ليكون قريباً من وقت الفجر.

يقول الإمام ابن أبي جمرة في لفتةٍ تربوية بديعة: “كان صلى الله عليه وسلم ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله؛ لأنه لو لم يتسحر لاتّبعوه فيشقّ على بعضهم، ولو تسحّر في جوف الليل لشق أيضاً على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر”. فكان هديه صلى الله عليه وسلم هو الوسطية والرحمة، ليجعل من السحور فرصةً للتقوي لا سبباً للمشقة.

ثانياً: التميز عن أهل الكتاب وتحقيق الخصوصية الإسلامية

من البركات العظيمة للسحور أنه يمثل علامةً فارقة تميز صيام المسلمين عن صيام غيرهم من الأمم السابقة. فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر» (رواه مسلم).

هذا التميز ليس مجرد مخالفة صورية، بل هو ترسيخٌ للهوية الإسلامية التي تقوم على التيسير ورفع الحرج. يوضح الإمام الخطابي هذا المعنى بقوله: “كان أهل الكتاب إذا ناموا بعد الإفطار لم يحل لهم معاودة الأكل والشرب، وعلى مثل ذلك كان الأمر في أول الإسلام، ثم نسخ الله عز وجل ذلك، ورخّص في الطعام والشراب إلى وقت الفجر بقوله: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر} [البقرة: 187]”. فالسحور إذن هو احتفاءٌ برخصة الله ورحمته التي خص بها هذه الأمة.

ثالثاً: القوة البدنية والنشاط في طاعة الله

إن الشريعة الإسلامية شريعةٌ واقعية تدرك احتياجات الجسد كما تدرك أشواق الروح. ومن بركات السحور أنه يمد الصائم بالطاقة اللازمة لمواجهة مشقة الإمساك عن الطعام والشراب طوال النهار. إن ترك السحور قد يؤدي إلى الضعف، والفتور، وربما المشقة التي تفضي بالبعض إلى العجز عن إتمام الصوم أو أداء الأعمال والواجبات اليومية.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «لا ضرر ولا ضرار» (رواه أحمد وابن ماجه)، وزاد الدارقطني: «ومن شاقّ شقَّ الله عليه». ومن هنا شرع تأخير السحور؛ ليكون فرصةً للنفس كي تأخذ نشاطها كاملاً. وقد كان عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يعجل الإفطار ويؤخر السحور، ويقول: “هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع” (رواه النسائي).

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: “كنت أتسحّر في أهلي، ثم يكون سرعةٌ بي، أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم” (رواه البخاري). وهذا التأخير المقصود يضمن للصائم أن يبدأ يومه وهو في قمة نشاطه وحيويته، مما يعينه على تدبر القرآن، والقيام بالعمل، وذكر الله دون كسل أو خمول.

رابعاً: شرف الوقت والتعرض لنفحات السحر

لعل من أسمى بركات السحور هو استثمار ذلك الوقت المبارك الذي يُعرف بـ “وقت السحر”. إنه الوقت الذي يغفل فيه الكثيرون، بينما يستيقظ المتسحرون ليتعرضوا لنفحات الله عز وجل. ففي هذا الوقت يتنزّل الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، كما جاء في صحيح مسلم، فيقول: «هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟» حتى يطلع الفجر.

إن المسلم الذي يقوم للسحور يجد نفسه تلقائياً في حضرة هذا الوقت الإلهي العظيم، فيتحول سحوره من مجرد عادة غذائية إلى عبادة قلبية، حيث يلهج لسانه بالاستغفار، وقلبه بالدعاء، تماشياً مع وصف الله لعباده الصالحين: {والمستغفرين بالأسحار} [آل عمران:17]. فالسحور هو البوابة التي تدفع العبد لاستغلال أثمن لحظات الليل في الذكر والصلة بالله.

خامساً: صلاة الله وملائكته على المتسحرين

يا له من فضلٍ تنحني له الجباه إجلالاً! أن يكون أكلك وطعامك سبباً في أن يذكرك الله في الملأ الأعلى، وتدعو لك الملائكة الكرام. فقد جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وملائكتة يصلون على المتسحّرين» (رواه أحمد).

وصلاة الله على العبد تعني ثناءه عليه ورحمته له، وصلاة الملائكة تعني استغفارهم ودعاءهم له. فهل هناك دافعٌ أعظم من هذا للمحافظة على أكلة السحور؟ إنها لحظاتٌ يحيطك فيها الملكوت الأعلى ببركاته ودعواته لمجرد أنك امتثلت لأمر النبي صلى الله عليه وسلم في تناول هذا الطعام المبارك.

سادساً: استحضار الرحمة الإلهية والرفق بالعباد

السحور في جوهره هو تجلٍّ من تجليات رحمة الله بعباده. فالله سبحانه وتعالى غنيٌ عن جوعنا وعطشنا، ولو شاء لأمرنا بالوصال (مواصلة الصيام دون إفطار أو سحور) كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً كخصوصية له، ولكن الله رفقاً بنا شرع لنا الفطر وعجل وقت السحور وأخره.

إن استحضار هذا المعنى أثناء السحور يملأ قلب المؤمن حباً لله وشكراً على نعمه، فيدرك أن كل تشريعٍ إلهي إنما هو لمصلحة العبد ورحمةً به، مما يزيد من إقباله على العبادة بروحٍ راضية ونفسٍ مطمئنة.

مسك الختام: نِعْمَ سحور المؤمن التمر

في ختام هذا البيان لفضل السحور، لا بد من الإشارة إلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم في نوعية الطعام الذي كان يفضله في هذا الوقت. فقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم التمر في السحور مدحاً خاصاً فقال: «نِعْمَ سحور المؤمن التمر» (رواه أبو داود).

وهذا الاختيار النبوي يجمع بين الأجر الأخروي والمنفعة الدنيوية؛ فمن الناحية الطبية، يُعد التمر منجماً من الفوائد الغذائية، حيث يحتوي على سكريات طبيعية تمد الجسم بالطاقة تدريجياً، وأليافاً تمنح الشعور بالشبع، ومعادن تقوي البدن. ومن الناحية التعبدية، هو امتثالٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون السحور بركةً في النوع كما هو بركةٌ في الوقت والعمل.

إن السحور ليس مجرد وجبة عابرة، بل هو مدرسةٌ إيمانية متكاملة، تجتمع فيها معاني الاتباع، والتميز، والقوة، والروحانية، والرحمة. فاحرص أيها الصائم على ألا تفوتك هذه البركات، ولو بجرعة ماء، لتقوم ليلك وتصوم نهارك وأنت في كنف الله ورعايته، محاطاً بصلاة الملائكة وفيوضات الرحمن.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *