هل يمكن لصندوق الاقتراع أن يهدم جدران الحصانة التي شيدتها المصالح السياسية لعقود؟
في قلب القارة العجوز، وتحديداً في أروقة بودابست التاريخية، تهب رياح تغيير لا تعترف بالحدود الجغرافية، بل تمتد لتصل إلى موازين العدالة الدولية في لاهاي. لقد اختار الشعب المجري مساراً جديداً بانتخابه بيتر ماجار، الرجل الذي لم يكتفِ بانتزاع السلطة، بل سارع إلى ترميم وجه بلاده الأخلاقي أمام المجتمع الدولي، معلناً انحياز المجر الصريح لسلطة القانون فوق سلطة التحالفات الضيقة.
انعطافة كبرى في السياسة المجرية
أعلن رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماجار، قراراً حاسماً بوقف مسار الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، وهو المسار الذي خطه سلفه فيكتور أوربان في محاولة لعزل المجر عن الالتزامات القانونية الدولية. هذا القرار يمثل عودة الروح للمواثيق التي وقعت عليها بودابست، وتأكيداً على أن الدولة لا تدار بالرغبات الشخصية، بل بالاتفاقيات التي تحفظ كرامة الإنسان.
إن التزام المجر الجديد يتجاوز مجرد الحضور البروتوكولي؛ إذ أكد ماجار أن أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة ستجد طريقها للتنفيذ فوق الأراضي المجرية دون مواربة. هذا الموقف يضع المجر في قلب المنظومة القانونية العالمية، محولاً إياها من حليف لليمين المتشدد إلى حارس لمبادئ العدالة الناجزة.
ميزان العدل في مواجهة الزيارات السياسية
تأتي هذه التحولات في توقيت شديد الحساسية، حيث يترقب العالم زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى بودابست في أكتوبر المقبل. وهنا تبرز ملامح العهد الجديد؛ فالمطلوب دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة لن يجد في المجر السجاد الأحمر الذي اعتاد عليه، بل سيواجه صرامة القانون الدولي.
محطات زمنية وأرقام ترسم المشهد الجديد:
- 12 أبريل الماضي: اليوم الذي شهد فوز بيتر ماجار بالانتخابات البرلمانية، معلناً نهاية حقبة دامت 16 عاماً من حكم فيكتور أوربان.
- 9 و10 مايو المقبل: موعد الجلسة الافتتاحية للجمعية الوطنية وأداء اليمين الدستورية للحكومة الجديدة.
- 2 يونيو 2026: التاريخ الذي كان مقرراً لدخول انسحاب المجر من المحكمة الجنائية حيز التنفيذ، وهو القرار الذي وأده ماجار في مهده.
- أكتوبر 2024: الموعد المخطط لزيارة نتنياهو للمشاركة في ذكرى انتفاضة 1956، وهي الزيارة التي باتت محفوفة بالمخاطر القانونية.
بودابست تودع حلفاء الأمس
بسقوط أوربان، فقدت أقطاب سياسية بارزة مثل دونالد ترمب، وفلاديمير بوتين، وبنيامين نتنياهو، حليفاً استراتيجياً وصوتاً مدافعاً عن توجهاتهم داخل الاتحاد الأوروبي. لقد فشلت الرسائل المصورة والدعم الدعائي في ثني إرادة الناخب المجري، الذي فضل الانفتاح على العدالة الدولية بدلاً من الانغلاق في تحالفات الشخصيات المثيرة للجدل.
إن إشارة بيتر ماجار إلى أنه أوضح موقفه للجميع، بما في ذلك الجانب الإسرائيلي، تعكس لغة دبلوماسية رفيعة لا تحتاج إلى صراخ؛ فالدول التي تحترم سيادتها تحترم قبل ذلك القوانين التي وقعت عليها بملء إرادتها.
رؤية ختامية
إن العدالة ليست رداءً نرتديه حين يروق لنا ونخلعه حين يضيق بمصالحنا، بل هي ميثاق غليظ يربط الأمم ببعضها. إن عودة المجر إلى حضن المحكمة الجنائية الدولية بقيادة بيتر ماجار هي رسالة لكل من يظن أن السياسة يمكن أن تظل ملاذاً آمناً من الحساب؛ فالتاريخ يخبرنا دوماً أن يد العدالة، وإن تراخت حيناً، فإنها لا تنام، وأن الشعوب هي الضمانة الوحيدة لبقاء الضمير الإنساني حياً فوق منصات القضاء.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً