بينالي فينيسيا 2026 تحت مجهر الاحتجاج: هل تنجح الضغوط الدولية في تعليق المشاركة الإسرائيلية؟

بينالي فينيسيا 2026 تحت مجهر الاحتجاج: هل تنجح الضغوط الدولية في تعليق المشاركة الإسرائيلية؟

مع اقتراب موعد انطلاق الدورة الحادية والستين لـ "بينالي البندقية" (Venice Biennale) في مايو 2026، يتصاعد حراك ثقافي وحقوقي غير مسبوق يتجاوز حدود الفن ليشتبك مع أعقد القضايا السياسية الراهنة. لم يعد الحدث الفني الأعرق عالمياً مجرد منصة لعرض الإبداعات المعاصرة، بل تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة، تقودها شبكات دولية تطالب باستبعاد إسرائيل رسمياً من المشاركة، احتجاجاً على استمرار الحرب على قطاع غزة وتداعياتها الإنسانية الكارثية.

تحالف "الفن لا الإبادة": تصعيد يتجاوز الحدود

تصدر "تحالف الفن لا الإبادة الجماعية" (ANGA) المشهد عبر تنظيم حملات رقمية وميدانية مكثفة، استهدفت إدارة البينالي بمطالب واضحة: مراجعة قرار قبول المشاركة الإسرائيلية. ويرى التحالف، الذي يضم آلاف الفنانين والقيمين، أن التمثيل الرسمي لأي دولة منخرطة في عمليات عسكرية تستهدف المدنيين يقوض القيم الإنسانية التي تأسس عليها البينالي، مثل الحوار وحرية التعبير.

أبرز ملامح هذا الحراك:

  • عرائض دولية: توقيع أكثر من 12,500 فنان وأكاديمي من مختلف القارات على نداءات تطالب بالتعليق الفوري للمشاركة الوطنية الإسرائيلية.
  • وقفات رمزية: تنظيم احتجاجات أمام مؤسسات فنية كبرى في لندن، باريس، نيويورك، وبرلين، لربط شرعية الوجود الثقافي بالمساءلة القانونية والأخلاقية.
  • رفض "الغطاء الثقافي": يؤكد المنظمون أن استهدافهم ليس للفنانين كأفراد، بل للصيغة الرسمية التي تمنح "شرعية ثقافية" لدولة تواجه اتهامات بانتهاكات جسيمة.

إرث دورة 2024: عندما أُغلق الجناح الإسرائيلي

لا يمكن فهم زخم المطالبات الحالية بمعزل عما شهده افتتاح الدورة الستين في أبريل 2024. في ذلك الوقت، تحولت "حدائق الجيارديني" إلى ساحة للاحتجاج، وحدث ما لم يكن متوقعاً:

  1. قرار الفنانة روث باتير: أعلنت الفنانة التي كانت تمثل إسرائيل، بالاتفاق مع قيمين فنيين، أن الجناح سيظل مغلقاً ولن يفتح أبوابه للجمهور إلا بعد التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن.
  2. تحول رمزي: تحول الجناح المغلق من مساحة عرض إلى "بيان سياسي صامت"، مما عكس عمق الانقسام داخل الوسط الثقافي الإسرائيلي والدولي.
  3. غضب في القنوات: شهدت البندقية تظاهرات حاشدة رفعت شعارات تطالب بوقف "الإبادة الجماعية"، مما دفع القضايا الإنسانية في غزة إلى قلب النقاش الفني العالمي.

موقف إدارة البينالي: الحياد في مهب الريح

تتمسك إدارة بينالي فينيسيا بخطابها التقليدي الذي يؤكد أن المؤسسة "ليست جهة سياسية". وتستند في دفاعها إلى أن البينالي منصة مفتوحة لجميع الدول المعترف بها من قبل الحكومة الإيطالية.

من جانبه، دافع وزير الثقافة الإيطالي عن حق إسرائيل في التمثيل، معتبراً إياه دفاعاً عن "حرية التعبير". ومع ذلك، يرى النقاد أن هذا "الحياد المؤسسي" لم يعد كافياً في مواجهة قرارات محكمة العدل الدولية والتقارير الحقوقية الصادمة، مما يضع المؤسسة في مأزق أخلاقي أمام المجتمع الفني الدولي.

تغييرات لوجستية أم تراجع تكتيكي؟

تزايد الجدل مؤخراً مع تسرب أنباء عن نقل المشاركة الإسرائيلية لعام 2026 من الجناح التاريخي في "جيارديني" إلى موقع بديل في منطقة "أرسينال" (Arsenale). وبينما تبرر الجهات الرسمية هذا الانتقال بوجود "أعمال ترميم"، يرى ناشطون أن هذه الخطوة هي محاولة لتقليل الاحتكاك مع المتظاهرين وإبعاد الجناح عن بؤرة التركيز في الحدائق الرئيسية، وهو ما اعتبره البعض "تراجعاً رمزياً" تحت وطأة الضغط المستمر.

غزة.. البوصلة الجديدة للفن العالمي

مع استمرار الحرب التي تجاوزت مئات الأيام، لم تعد قضية غزة مجرد خبر عابر في النشرات، بل أصبحت معياراً للمسؤولية الأخلاقية في المحافل الثقافية. إن التهديد بمقاطعة دورة 2026 يعكس تحولاً جوهرياً في دور الفن؛ حيث لم يعد كافياً أن يكون العمل الفني جميلاً أو مبتكراً، بل أصبح مطالباً بأن يكون منسجماً مع قيم العدالة الكونية.

ختاماً، يبقى التساؤل قائماً: هل سيشهد مايو 2026 افتتاحاً هادئاً لبينالي البندقية، أم أن صدى الحرب في غزة سيفرض واقعاً جديداً يجبر المؤسسات الثقافية العريقة على إعادة تعريف مفهوم "الحياد"

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *