# تاريخ فرق الشيعة ومذاهبهم: قراءة في الجذور والتحولات التاريخية
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله الذي جعل الحق مناراً للمهتدين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه الغر الميامين. أما بعد، فإننا نبرأ إلى الله من كل غلو، ونرضى بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً ورسولاً، وبأبي بكر وعمر وعثمان وعلي خلفاء راشدين مهديين، ساروا على درب النبوة وأناروا للأمة طريق الرشاد.
إن دراسة التاريخ ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي استبصار للمواعظ، وفهم للجذور التي نبتت منها الفتن، لكي نحذر من الانزلاق في متاهات الفرق التي حادت عن جادة الصواب. ومن أعظم ما بليت به الأمة عبر تاريخها الطويل هو تفرق الكلمة وظهور المذاهب التي غلت في آل البيت -رضوان الله عليهم-، وهم من ذلك الغلو براء.
أولاً: فرقة السبئية.. بذور الفتنة الأولى
تعتبر السبئية هي الحجر الأساس الذي بنيت عليه أوهام الغلو في التشيع. وتنسب هذه الفرقة إلى عبد الله بن سبأ، ذلك الرجل الذي دخل الإسلام مكرًا وخديعة في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-. تشير المصادر التاريخية الأرجح إلى أنه من الحيرة، وقيل من اليمن، لكن الثابت أنه جاء بمخطط يهودي يهدف إلى زعزعة عقيدة المسلمين من الداخل.
لقد كان ابن سبأ أول من نادى بفكرة “الوصية” والغلو في أهل البيت، متنقلاً بين الأمصار ليبث سمومه. وعندما وجد آذاناً صاغية، تدرج في دعوته من المطالبة بولاية علي -رضي الله عنه- إلى ادعاء ألوهيته! ولم يقف عند هذا الحد، بل وضع أسس عقيدة “الرجعة”، وزعم أن علياً لم يمت، بل صعد إلى السماء، وأن الرعد صوته والبرق سوطه.
وعندما بلغه خبر استشهاد الإمام علي، قال قولته الشهيرة التي تعكس مدى ضلاله: “والله لو جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، ولا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض”. كما كان ابن سبأ أول من سنّ منهج تأويل القرآن بالهوى، حيث استدل بغير علم بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ} [سورة القصص: 85] ليزعم عودة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاتحاً بذلك باباً للجهل بالتفسير وأسباب التنزيل أصبح فيما بعد منهجاً عاماً لكثير من فرق الشيعة.
ورغم محاولات بعض المتأخرين إنكار وجود شخصية ابن سبأ، إلا أن الأسس التي وضعها المستمدة من الخرافات والديانات القديمة ما زالت حاضرة في صلب العقائد الشيعية، خاصة في مسألة رد الأحاديث إلى الأئمة دون الرجوع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
ثانياً: الكيسانية.. والتحول بعد مقتل علي
ظهرت الكيسانية كفرقة متميزة بعد استشهاد الإمام علي -رضي الله عنه-، وتركزت دعوتهم حول موالاة محمد بن الحنفية. وقد اشتد عود هذه الطائفة عقب تنازل الحسن بن علي -رضي الله عنهما- لمعاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- حقناً لدماء المسلمين.
في هذه المرحلة، أسقط الكيسانيون إمامة الحسن والحسين، ودعوا إلى إمامة ابن الحنفية باعتباره وصي أبيه. وتنسب هذه الفرقة إما إلى “كيسان” مولى علي، أو إلى تلميذ لابن الحنفية يحمل الاسم نفسه. ومع مرور الوقت، وبسبب الاضطرابات السياسية، انصهرت أغلب جماعات الكيسانية في بوتقة “المختارية”.
ثالثاً: المختارية.. المكر والادعاءات الغيبية
تزعم هذه الطائفة المختار بن أبي عبيد الثقفي، الرجل الذي جمع بين الذكاء والدهاء والمكر. بدأ المختار حركته بجماعة صغيرة، ثم استقطب أتباع الكيسانية. ادعى المختار أنه يطالب بدم الحسين، واتخذ من اسم ابن الحنفية ستاراً لتحقيق مآربه السياسية، حتى إنه لقب بـ “كيسان” تكريماً له كما يزعم أتباعه.
تمادى المختار في غيه حتى ادعى نزول الوحي عليه، ويُعتقد أنه هو “كذاب ثقيف” الذي أشار إليه الحديث الذي روته أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وروجت هذه الطائفة لخرافات عجيبة، منها أن ابن الحنفية لم يمت، بل هو محبوس في جبل رضوى، يحرس عن يمينه أسد وعن شماله نمر، وسوف يخرج في آخر الزمان. ورغم محاولات المختار استمالة ابن الحنفية، إلا أن الأخير رفض نهجه، فانتهى أمر المختار بالقتل على يد مصعب بن الزبير -رضي الله عنه-.
رابعاً: الزيدية.. الفرقة الأقرب إلى أهل السنة
برزت الزيدية بعد مقتل الحسين -رضي الله عنه-، عندما لم يجد الغلاة في علي زين العابدين إماماً يحقق أهواءهم في الخروج المسلح، حيث كان -رحمه الله- من أولياء بني أمية وجليس يزيد بن معاوية، مبتعداً عن الفتن. فالتفت هؤلاء إلى ابنه زيد بن علي الذي أعلن الخروج على حكام بني أمية.
تعتبر الزيدية تاريخياً من أقرب فرق الشيعة إلى أهل السنة والجماعة، وذلك للأسباب التالية:
1. عدم تكفير الصحابة الكرام، بل والاعتراف بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم-.
2. القول بولاية “المفضول” مع وجود “الأفضل”.
3. عدم القول بعصمة الأئمة.
4. إنكار فكرة الإمام الغائب المستور.
5. عدم القول بالرجعة أو البداء.
إلا أنهم وافقوا المعتزلة في مسألة مرتكب الكبيرة وأنه في منزلة بين المنزلتين. وللأسف، غدر الشيعة بزيد بن علي كما غدروا بآبائه من قبل، وتركوه وحيداً في ساحة المعركة ليلقى ربه شهيداً. واليوم، انحرفت الكثير من فروع الزيدية عن مبادئ زيد الأصلية بسبب دخول علماء الضلال الذين خلطوا عقيدتهم بعقائد الرافضة، وتتواجد بقاياهم اليوم في بعض مناطق اليمن.
خامساً: الرافضة.. الغلو والانغلاق
سميت هذه الفرقة بالرافضة لرفضهم إمامة زيد بن علي عندما ترحم على الشيخين (أبي بكر وعمر)، وقيل لرفضهم أكثر الصحابة وهو الأرجح. ولهم مسميات أخرى مثل “الخشبية” و”الإمامية”.
تعتبر الشيعة الاثنا عشرية المعاصرة هي الوريث الأكبر لهذه الفرقة، حيث تتبنى عقائد غالية مثل:
- النص الإلهي: الادعاء بوجود نص إلهي على ولاية علي والأئمة من بعده.
- المهدي المنتظر: الاعتقاد بوجود إمام غائب في السرداب سيخرج في آخر الزمان.
- الرجعة والبداء والتقية: وهي عقائد تتصادم مع صريح القرآن والسنة.
تتركز هذه الفرق اليوم في مناطق جغرافية محددة تشمل إيران، والعراق، والخليج العربي، وجنوب لبنان، وأجزاء من الهند. وهم يسعون دائماً لنشر معتقداتهم عبر المناظرات والوسائل الإعلامية، مما يستوجب على المسلم التسلح بالعلم الشرعي الصحيح.
خاتمة وموعظة
يا عباد الله، إن في تفرق هذه الفرق لعبرة لأولي الألباب. إن الحق واحد لا يتجزأ، وهو ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. إن الغلو في الأشخاص، مهما بلغت منزلتهم، هو أول خطوات الضلال. لقد كان آل البيت -رضي الله عنهم- نماذج في التقوى والاتباع، ولم يطلبوا من الناس ألوهية ولا عصمة ولا خرافة.
فلنتمسك بسنة نبينا، ولنحفظ قدر صحابته الكرام الذين نقلوا لنا هذا الدين بصدق وأمانة، ولنعلم أن النجاة في لزوم الجماعة والحذر من محدثات الأمور. نسأل الله أن يثبتنا على الحق، وأن يجمع كلمة المسلمين على ما يحبه ويرضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


اترك تعليقاً