# تحديات الدعوة الإسلامية: من فخ التشويه إلى فريضة البناء
في ظلال شهر رمضان المبارك، حيث السكينة تخيم على الأرواح، والقلوب تتجه نحو بارئها تبتغي الزلفى والقبول، كان العزم معقوداً على الانقطاع التام لمدارسة آيات الكتاب المسطور، والعيش في رحاب التدبر الذي يحيي الموات. غير أن المتأمل في واقعنا المعاصر، وهو يقلب صفحات الفكر والدعوة، ويستعرض شؤون عالمنا الإسلامي عبر الفضاء الرقمي، يجد نفسه أمام سيل جارف من الأخبار والمقاطع التي لا يمكن قراءتها إلا في سياق واحد مؤلم: سياق تحريف جوهر الإسلام، وتشويه صورة حملته، وإسقاط رموزه ودعاته، في محاولات مستميتة لبث الفتنة وتوسيع هوة الفرقة بين أبناء الملة الواحدة.
إننا نعيش اليوم مرحلة عصيبة، غلب فيها منطق الهدم على أصل البناء، وتصدر فيها التشويه مشهد البيان. وهذه المسالك التي نراها اليوم ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج مقاصد متباينة؛ فمنها ما هو باطل محض يستبطن العداء للدين وإن تستر بعباءة النصح، ومنها ما أخطأ أصحابه الوسيلة وإن أرادوا الحق، لتكون النتيجة في الحالتين واحدة: تمزيق اللحمة، وإضعاف قوة البيان، وتعطيل مسيرة البناء الحضاري.
أولاً: العلمانية النفعية واستهداف الثوابت
تبرز في واجهة هذا المشهد فئة من العلمانيين الذين اتخذوا من النيل من الدين مطية لبلوغ مآرب دنيوية ضيقة، سواء كانت منصباً سياسياً أو ارتزاقاً فكرياً. هؤلاء لا يجدون سبيلاً لتقديم أنفسهم كـ “مخلصين” إلا عبر الارتماء في أحضان الآخر، ومحاولة إثبات جدارتهم من خلال التشكيك في قطعيات الدين ومسلماته.
إنهم يتسترون خلف شعارات براقة مثل “مكافحة الإرهاب” و”محاربة التطرف”، وهي في حقيقتها كلمات حق أريد بها باطل في كثير من الأحيان. يعمد هؤلاء إلى افتعال خصومات وهمية مع التيارات الإسلامية، لا لنقد الممارسة البشرية، بل ليتخذوا من ذلك ذريعة للطعن في الثوابت، وتقويض المرجعيات العلمية، والافتراء على العلماء والدعاة الصادقين، مما يساهم في خلق حالة من البلبلة الفكرية لدى الأجيال الناشئة.
ثانياً: الانحرافات في الخطاب الديني الموظف
على جانب آخر، نجد نماذج من “التصوف الوظيفي” الذي يتم استخدامه لتخدير وعي الأمة وحصار الدعاة المصلحين. هذا المسلك لا يكتفي بنشر التفريط وتحريف المفاهيم، بل يبالغ في تقديس الشخوص وإحياء مظاهر غريبة عن روح الإسلام، تحت مسميات تبدو في ظاهرها شرعية.
إن استخدام عناوين مثل “تمكين المذهبية” أو “الذود عن الأشعرية” أو “تعظيم الجناب النبوي” لضرب المخالفين وتمرير أجندات تباين هدي صاحب الشريعة ﷺ، هو ضرب من التضليل. فالدين الوسطي لا يعني التفريط في المحكمات، ولا يعني إحياء البدع التي تخالف نصوص الوحي الصريحة، بل هو التزام بالمنهج النبوي الصافي الذي يجمع بين العلم والعمل، وبين الروحانية والانضباط الشرعي.
ثالثاً: السلفية المستخدمة ومعارك الداخل
وفي المقابل، نلحظ وجود اتجاهات تُحسب على السلفية، لكنها استُخدمت – بوعي أو بغير وعي – في تمزيق وحدة الأمة وتفكيك صفها. هؤلاء جعلوا من “نصرة السنة” و”محاربة البدعة” لافتات للتسلط على رقاب الدعاة والافتراء على المخالفين، حتى غدت الخصومات البينية والنزاعات الهامشية مقدمة على مقاصد الاجتماع والائتلاف.
لقد ضاعت في أتون هذه الصراعات معاني الإخاء الإيماني، وتعطلت الممارسة الدعوية الحقيقية، وبدلاً من بث العقيدة الصحيحة في نفوس الناس بأسلوب حكيم، انشغل هؤلاء بتصنيف العباد وتتبع العثرات، مما أوجد بيئة طاردة تنفر الناس من الحق وتغرقهم في بحور الجدل العقيم الذي لا يورث إلا قسوة القلب وشتات الأمر.
رابعاً: أزمة الجماعات الإسلامية وفقدان البوصلة
أما أبناء الجماعات الإسلامية، فقد وقع كثير منهم بين فكي رحى: فقدان البوصلة الدعوية، والفتور الذي طغى على عزائمهم. لقد استنزفتهم المعارك الداخلية، وانشغل بعضهم ببعض في صراعات تجاوزت حدود الحق وضوابط الإخاء الشرعي.
لقد قدمت هذه الجماعات أحياناً تلميع الأبنية التنظيمية والهياكل الحركية – التي نخرتها عوامل الضعف والوهن – على جوهر الرسالة ومقاصدها الكبرى. وبدلاً من أن تكون هذه الجماعات روافد للبناء والإصلاح، تحولت في بعض الأحيان إلى عوائق بسبب تغليب الحزبية المقيتة على المصلحة العليا للأمة، مما أضعف روح الممارسة الإصلاحية الجادة وجعلها تراوح مكانها.
خامساً: المخرج والحل.. عودة إلى منهج البيان والبناء
إن تأمل هذا الواقع المرير يوجب علينا إدراك أن هذه المسالك ليست إلا هدماً مخادعاً، وتمزيقاً أهوج لا يخدم إلا أعداء الملة. إن مشاريع بث الإسلام وبيانه في الأرض، ومحاربة الأمية الشرعية التي تضرب أطنابها في مجتمعاتنا، هي أمانة عظيمة ما تزال مضيعة.
إن الإصلاح المنشود لن يقوم على مجاراة أهل الباطل في أساليبهم، ولا على تبادل الاتهامات والافتراءات، بل يقوم على الأسس التالية:
1. العرض الصادق للإسلام: ببيان عقائده الصافية، وأحكامه العادلة، وآدابه الراقية، ومحاسنه التي تخاطب الفطرة السوية.
2. تصحيح المفاهيم: بالعودة إلى الأصول الجامعة التي تجمع شتات الأمة وتوحد كلمتها تحت راية التوحيد والاتباع.
3. نبذ الحزبيات الضيقة: التي تستهلك الطاقات في معارك وهمية وتوسع دوائر الفتنة في جسد الأمة المثخن بالجراح.
4. التحرر من حظوظ النفس: ومن الصراعات المدرسية والشعارات التي تتستر بالمصالح الشرعية وهي في حقيقتها تخدم أهواءً دنيوية.
5. القيام بواجب الوقت: بالتركيز على مجابهة مخططات التغريب، وإغراق الأمة في الشهوات والشبهات، وحماية الشباب من السطحية والسذاجة الفكرية.
خاتمة ومراجعة
إن البناء الحق يبدأ من داخل النفس، ومن صدق المراجعة للمسارات التي نسلكها. فإن لم نحسن اتباع الحق بصدق، ولم نملك الشجاعة لتصحيح أخطائنا، فلن نقيم ديناً ولن نصلح دنيا، ولن نصون إخاءً.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ضياع الجهود، بل في فقدان صفاء المقصد وسلامة الصدر وصحة النفس. فواجبنا اليوم هو العودة إلى منهج البيان الواضح والبناء الرصين، ملتزمين بأخلاق الإسلام في دعوتنا، حريصين على وحدة أمتنا، سائلين الله عز وجل أن يهدينا سبل الرشاد ويؤلف بين قلوبنا.
والله الهادي إلى سواء السبيل.

اترك تعليقاً