تعوذ بالله من الفتن: دليلك للنجاة من اليأس وحيل الشيطان

# تعوذ بالله من الفتن: كيف تنجو من شباك اليأس وتستعيد رداء الطاعة؟

في غمار هذه الحياة المتسارعة، وبين أمواج المتغيرات التي تتقاذف القلوب، يجد المؤمن نفسه في صراع دائم لا يهدأ. إنها رحلة البحث عن الثبات في زمنٍ كثرت فيه الصوارف، وتعددت فيه الملهيات. إن الاستعاذة من الفتن ليست مجرد كلمات تقال باللسان، بل هي درع حصين، ومنهج حياة، واستغاثة دائمة بخالق الكون ليحفظ هذا القلب من التقلب والزيغ.

الاستعاذة من الفتن: الوصية النبوية الخالدة

بينما كان الصحابة الكرام ينهلون من نبع النبوة الصافي، وجههم النبي ﷺ إلى حقيقة كبرى وقاعدة ذهبية للثبات. فقد رُوي في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال يومًا لأصحابه: «تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». ولم يكن هذا الأمر مجرد توجيه عابر، بل كان إدراكًا لخطورة ما قد يواجه النفس البشرية من اختبارات تمحص الإيمان وتكشف معادن الرجال.

لقد استجاب الصحابة -رضوان الله عليهم- فورًا لهذا النداء النبوي، مدركين أن النجاة لا تكون إلا بالله، فقالوا بلسان واحد وقلب نابض بالإيمان: «نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن». إن هذه الاستعاذة هي اعتراف بالضعف البشري أمام سطوة الفتن، وهي لجوء إلى القوي المتين الذي بيده ملكوت كل شيء.

ما ظهر من الفتن وما بطن: فقه المواجهة

حين نتأمل في قول النبي ﷺ “ما ظهر منها وما بطن”، ندرك شمولية هذا الاستعاذة. فالفتن الظاهرة هي تلك التي نراها بوضوح؛ كالمحن والابتلاءات الظاهرة، والمنكرات الشائعة. أما الفتن الباطنة، فهي الأشد خطرًا، لأنها تتسلل إلى القلب خفية؛ كفتنة الكبر، والرياء، والحسد، والشك، وحب الدنيا الذي يستشري في الروح دون أن يشعر المرء.

إن المؤمن الكيس هو من يدرك أن الاستعاذة من الفتن هي استراتيجية وقائية قبل أن تكون علاجية. ففي كل يوم، وفي كل ساعة، يتعرض القلب لخطرات وسوانح قد تفتنه عن دينه أو تضعف عزيمته في سباق الطاعات.

إياك وخلع رداء المجاهدة: الثبات حتى الممات

إن الطريق إلى الله ليس مفروشًا بالورود، بل هو طريق يحتاج إلى صبر ومصابرة. ومن أعظم المخاطر التي تواجه السالك في هذا الطريق هو الاستسلام عند العثرة. إيَّاك أن تخلع رداء المجاهدة إن كبوت، أو تنسحب من ساحة الطاعة إذا زلَّت قدمك. فالمجاهدة ليست حالة من المثالية المطلقة، بل هي محاولة دائمة للنهوض بعد كل سقوط.

إن النفس البشرية بطبعها قد تضعف، وقد تغلبها الشهوة أو الغفلة في لحظة من اللحظات، ولكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الزلة ذاتها، بل في القرار الذي يتخذه الإنسان بعدها. هل ينهض ويغسل ثوبه بماء التوبة؟ أم يستسلم للوحل ويترك ساحة الطاعة؟

أعظم الهزيمة: حين يسكن اليأس القلوب

يقول الحكماء إنَّ أعظم الهزيمة ألا تنهض، وأشد الخسران أن تجمع إلى الذنب يأسًا، وإلى الخطأ انقطاعًا. إن الشيطان لا يكتفي بإيقاعك في المعصية، بل هدفه الأسمى هو أن يقنطك من رحمة الله. فإذا عصيت، فقد أطعت الشيطان في أمر واحد، فإذا يئست وانقطعت عن العمل الصالح، فقد أطعت الشيطان طاعة عظمى، ووهبته نصرًا لم يكن يحلم به.

عندما تجتمع المعصية مع اليأس، يكون الإنسان قد ضل الطريق مرتين:
1. الضلال الأول: هو مخالفة الأمر والوقوع في الذنب.
2. الضلال الثاني: هو سوء الظن بالله وترك باب التوبة مفتوحًا خلفه دون أن يدخله.

إن الاستمرار في الطاعة بعد الذنب هو صفعة على وجه الشيطان، وإعلان صريح بأن العبودية لله باقية مهما بلغت الذنوب.

الاستغفار: السلاح الذي لا يفل

لقد فهم سلفنا الصالح حقيقة المعركة بين الإنسان والشيطان فهمًا عميقًا. قيل للحسن البصري -رحمه الله-: “ألا يستحيي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر، ثم يعود؟”. هذا السؤال يتردد في نفوس الكثيرين اليوم، حيث يشعر البعض بالخجل من كثرة العودة للذنب بعد التوبة.

لكن جواب الحسن البصري كان كاشفًا لخطط العدو، حيث قال: “ودَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملوا من الاستغفار”. إن الشيطان يريدك أن تخجل من العودة إلى الله، يريدك أن تشعر بأنك “منافق” لأنك تستغفر ثم تعود، لكي يقطع صلتك بالله تمامًا.

مدرسة الحسن البصري في التوبة

تعلمنا كلمات الحسن البصري أن الاستغفار ليس مجرد كلمات، بل هو إصرار على البقاء في كنف الله. إن الله لا يمل حتى تملوا، ورحمته سبقت غضبه. إن تكرار الاستغفار بعد تكرار الذنب هو دليل على أن القلب لا يزال حيًا، وأنه لا يزال يرفض المعصية وإن وقع فيها.

يجب أن يكون شعار المؤمن: “سأطرق بابك يا رب حتى تفتح لي، وسأستغفرك حتى تغفر لي، ولن أمنح الشيطان لذة رؤيتي قانطًا من رحمتك”.

كيف تواجه الفتن في واقعك المعاصر؟

إن الاستعاذة من الفتن في زماننا هذا تتطلب خطوات عملية تعزز هذا المعنى القلبي، ومنها:

  • المداومة على الأذكار: لا سيما أذكار الصباح والمساء، فهي الحصن الحصين.
  • صحبة الأخيار: فالمؤمن مرآة أخيه، والذئب يأكل من الغنم القاصية.
  • العلم الشرعي: فالعلم نور يبصر به الإنسان مواضع الفتن قبل وقوعها.
  • الإقبال على القرآن: فهو الهدى والشفاء والفرقان الذي يميز به المرء بين الحق والباطل.

الخاتمة: لا تترك الساحة

أخي المؤمن، إن رحلة الثبات طويلة، والفتن من حولك كثيرة، لكن الله معك ما دمت تلجأ إليه. لا تدع ذنبًا كبر أو صغر يحول بينك وبين ربك. تذكر دائمًا وصية النبي ﷺ بالتعوذ من الفتن، وتذكر حكمة الحسن البصري في المداومة على الاستغفار.

إن الحياة ساحة مجاهدة، والفوز فيها لمن ثبت حتى الرمق الأخير. فلا تخلع رداء الطاعة، ولا تسمح لليأس أن يتسلل إلى محراب قلبك. كن أوابًا، رجاعًا، مستغفرًا، ومستعيذًا بالله في كل حين، فمن استعاذ بالله أعاذه، ومن توكل عليه كفاه.

اجعل من كل سقطة دافعًا لنهضة أقوى، ومن كل ذنب سببًا لاستغفار أعمق، واعلم أن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. فاستعذ بالله من الفتن، وامضِ في طريقك نحو الجنان، ولا تلتفت خلفك أبدًا.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *