تليولوجيا الرضا بالمحنة: دراسة في سيرة عروة بن الزبير وأثر اليقين في تجاوز الفقد

مقدمة: في فلسفة الابتلاء وغائيات القدر

إنَّ المتأمل في طبيعة الوجود الإنساني يدرك أنَّ الابتلاء ليس مجرد عارضٍ طارئ، بل هو خيطٌ أصيل في نسيج الحياة الدنيا التي جُبلت على الكدر. ومن هنا تنبثق تليولوجيا (غائية) الرضا بالمحنة، بوصفها غايةً سامية تحول الألم من طاقة هادمة إلى وقودٍ للتسامي الوجداني. إنَّ الرضا في المنظور الإسلامي ليس استسلاماً سلبياً، بل هو إدراكٌ واعٍ لحكمة الخالق، ويقينٌ جازم بأنَّ وراء كل قدرٍ مؤلم حكمةً بالغة ورحمةً خفية، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].

ميكانيكا التسامي الوجداني: كيف يولد الرضا؟

يقصد بميكانيكا التسامي الوجداني تلك العمليات الروحية والعقلية التي تجري في نفس المؤمن لتحويل صدمة الفقد إلى حالة من السكينة. تبدأ هذه العملية من مركزية اليقين؛ فالمؤمن حين يوقن بأنَّ ملكية الأشياء والأنفس تعود لله وحده (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، يتقلص لديه شعور التملك الشخصي، مما يخفف من وطأة الانتزاع عند الفقد. هذا اليقين يعمل كمخدرٍ إيماني يرمم التصدعات النفسية فور حدوثها، مانعاً الروح من الانهيار في هاوية القنوط.

ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المفهوم بقوله: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له» (رواه مسلم). وهنا تكمن العبقرية الروحية؛ فالرضا هو الدرجة التي تلي الصبر، حيث لا يكتفي العبد بتحمل الألم، بل يستشعر الامتنان لله على ما أبقى، لا على ما أخذ فحسب.

نازلة عروة بن الزبير: أنموذج التسامي العبقري

تعتبر سيرة التابعي الجليل عروة بن الزبير مدرسةً تطبيقية حية لمفهوم الرضا بالمحنة. عروة، الذي نشأ في بيت النبوة والعلم، واجه واحدة من أقصى الاختبارات البشرية في رحلة واحدة. فبينما كان في طريقه إلى الشام لزيارة الخليفة الوليد بن عبد الملك، أصابت رجله الآكلة (الغرغرينا)، وتقرر بترها للحفاظ على حياته. وفي ذات الليلة التي بُترت فيها رجله، سقط ابنه محمد -أحب أبنائه إليه- من فوق سطحٍ فرفسته الدواب فمات.

تخيل هذا المشهد: ألمٌ جسدي مبرح ناتج عن بتر طرف، يقابله ألمٌ نفسي ساحق بفقد فلذة كبد. كيف استقبل عروة هذه الفواجع؟ لم يلطم خداً ولم يشق جيباً، بل صعد بروحانيته إلى مقام التسامي الوجداني قائلاً كلمته الخالدة: “اللهم لك الحمد، كانوا سبعة أبناء فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، ولئن كنتَ قد ابتليتَ فقد عافيت، ولئن كنتَ قد أخذتَ فقد أبقيت”.

تحليل الخطاب العُروِيّ: ميكانيكا الرضا في مواجهة الفقد

إنَّ تحليل مقولة عروة بن الزبير يكشف عن استراتيجيات نفسية وإيمانية عميقة لترميم النفس:

  • استراتيجية الجرد الروحاني: بدلاً من التركيز على الفقد (الرجل والابن)، قام عروة بجرد النعم المتبقية. هذا التركيز يغير المسار العصبي من الحزن المركز إلى الامتنان المحيط.
  • استحضار غائية الابتلاء: أدرك عروة أنَّ الله يبتلي ليصفي ويهذب، لا ليعذب، وهو ما تجسده الآية: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن: 11]. قال علقمة في تفسيرها: “هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم”.
  • تجاوز المادة إلى الغيب: حين عُرض عليه النبيذ ليسكر حتى لا يشعر بألم البتر، رفض قائلاً: “لا أستعين بمعصية الله على بلائه”. هذا الارتباط بالمصدر الإلهي جعل روحه تنفصل عن ألم الجسد لتتصل بعظمة المشيئة.

أثر اليقين في ترميم فواجع الفقد

اليقين هو “تليولوجيا” الرضا؛ أي المحرك الذي يوجه كل الأحداث نحو غاية نبيلة. في غياب اليقين، يبدو الفقد ثقباً أسود يبتلع المعنى من الحياة. أما في ظل اليقين، يصبح الفقد “استرداداً للأمانة”. إنَّ ترميم الفواجع يتطلب إيماناً بحقيقة البعث واللقاء؛ فعروة لم يودع ابنه وداعاً أبدياً، بل استودعه عند من لا تضيع ودائعه، موقناً بلقاءٍ في جنة لا نصب فيها ولا وصب.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رضيَ فله الرِّضا، ومَن سخط فله السُّخطُ» (رواه الترمذي). الرضا هنا يعمل كميكانيزم وقائي يحمي الإنسان من الأمراض النفسية التي تعقب الصدمات (PTSD)، حيث يعيد بناء السردية الشخصية للإنسان لتكون محنةً مخاضاً لمنحةٍ قادمة.

تجليات الرضا في العصر الحديث: كيف نستحضر روح عروة؟

في عالمنا المعاصر الذي يقدس المادة والرفاهية، تزداد الهشاشة النفسية أمام الأزمات. نحن بحاجة إلى استعادة النموذج العروِيّ من خلال الآتي:

  • إعادة تعريف النجاح والخسارة: النجاح الحقيقي هو الثبات عند الصدمة الأولى، والخسارة هي خسارة الأجر بالجزع، لا خسارة المتاع بالفقد.
  • ممارسة الامتنان اليومي: تدريب النفس على رؤية النعم المتبقية وسط المحن، فالله (لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)، ولطفه يسبق قدره.
  • تفعيل دور الصلاة والذكر: كان عروة يجد في الصلاة ملاذاً، والذكر يربط القلب بالخالق فيسكن، كما قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].

خاتمة: الرضا كبوابة للسلام الداخلي

إنَّ تليولوجيا الرضا بالمحنة هي أرقى مقامات العبودية، فهي الحالة التي يرتفع فيها الإنسان فوق جراحه ليرى يد الله الحانية وهي تشكل قدره. إنَّ سيرة عروة بن الزبير ليست مجرد قصة تاريخية، بل هي دليلٌ إرشادي لكل نفسٍ مكلومة، تهمس في أذن كل حزين بأنَّ الفقد ليس نهاية الطريق، بل هو بوابة لفتحٍ رباني جديد. فمن رضي بالله رباً، وبقدره حكماً، وبحكمته عدلاً، ترممت فواجعه، وتسامت روحه، واستحق أن يُنادى يوم القيامة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) [الفجر: 27-28].

فاللهم ارزقنا الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم، واجعل يقيننا بك حائط صدٍ أمام فواجع الدنيا وتقلبات الأيام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *