مقدمة: في مآلات الاستلاب المادي
إن المتأمل في واقع الأمة الإسلامية المعاصر يدرك يقيناً أن العلة الكامنة وراء تعثر النهوض لا تكمن في قلة الموارد، بل في اختلال الموازين البنيوية التي تشكل وعي الإنسان بذاته وبمحيطه. لقد انزلق الوجدان الجمعي نحو ما يمكن تسميته بـ "التشيؤ في العالم الإسلامي"، حيث طغت المادة على الروح، واستبدت الأشياء بالأفكار، مما أدى إلى فقدان البوصلة الحضارية في تيه المظاهر الجوفاء.
الهندسة الحضارية واختلال العناصر الثلاثة
لقد وضع المفكر الإسلامي الفذ مالك بن نبي -رحمه الله- يده على الجرح في كتابه المرجعي "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي"، حين فكك العناصر البنيوية لأي فعل حضاري، وهي: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأفكار. ويرى بن نبي أن قوام الحضارة وشرط ديمومتها يكمن في إقامة ميزان دقيق بين هذه الأركان، حيث يقول رحمه الله:
"هناك توازنًا لا بُدَّ منه بين [..] العناصر الثلاثة، يسكب مزيجها في قوالب الإنجاز الحضاري، فإذا ما استبدَّ واحد من هذه العناصر وطغى على حساب العنصرين الآخرين فثمة أزمة حقيقيَّة في مسيرة الحضارة تلقي بها خارج التاريخ فريسة طغيان الشيء أو طغيان الشخص".
إن هذا الاختلال هو العائق الأكبر أمام انبعاثنا؛ إذ إن الغرق في عالم المقتنيات المادية واختزال الوجود في المادة الصماء، جعل من التكالب عليها معياراً وحيداً للتقدم، مما أورث الأمة إسرافاً في تقدير الأمور بموازين مادية بحتة، غاب عنها جوهر الروح وعمق الفكرة.
سيكولوجية التشيؤ بين وفرة الغرب وندرة الشرق
إن داء التشيؤ لا يفرق بين مجتمع متقدم وآخر متخلف، وإن اختلفت مظاهر الأعراض. ففي المجتمعات المتقدمة، تؤدي وفرة الأشياء إلى سيطرة الكم على الكيف، فتغدو الروح أسيرة لرتابة المادة، مما يولد نزعة هروبية نحو تبديل الموضات والأطر الحياتية بلا غاية.
أما في مجتمعاتنا التي تعاني من وطأة التخلف، فإن التشيؤ يطل برأسه من نافذة الندرة لا الوفرة. وهنا يقرر مالك بن نبي حقيقة نفسية واجتماعية مرة، إذ يقول:
"في بلد متخلّف يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته، فتنشأ فيه عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصادي إسرافًا محضًا".
فأصبحنا نلهث خلف تكديس المنتجات لا تملكاً لها، بل تعويضاً عن نقص حضاري كامن، مما أفقد المجتمع توازنه، وجعله يتخبط في مسارات "ما بعد الحضارة" قبل أن يحقق شروط الحضارة ذاتها.
معيار الصبيانية ووثنية الأشخاص
من أشد مظاهر التشيؤ خطورة هو تحول المعايير الاجتماعية إلى معايير "صبيانية" بتعبير ابن نبي؛ حيث لم يعد المرء يستمد قيمته من فضائله أو زاده المعرفي، بل مما يحوزه من متاع زائل. هذا الانحدار القيمي أدى بالضرورة إلى تراجع كرامة الإنسان، فغدا التقدير رهيناً بالسطوة المادية.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سرى الداء إلى العقل الجمعي الذي كفر بالمشاريع الفكرية الكبرى، واستعاض عنها بالانبهار بـ "الشخصية الكاريزمية" أو الزعيم الملهم. وهنا يتحول الشخص إلى وثن يعبد من دون الأفكار، إما رهبة أو رغبة، في مشهد يجسد عمق الأزمة الفكرية التي تعيشها الأمة.
استهلاك النفايات الأيديولوجية وأزمة الإبداع
إن المجتمع المصاب بالنزعة الشيئية يميل دوماً إلى استمراء السهولة؛ فهو يفضل شراء الجهاز على امتلاك الفكرة التي صنعته. وهذا ما يفسر تراكم السلع في عالمنا الإسلامي مع عجز مطبق عن إنتاج الأفكار الفارقة. لقد أصبحنا مجرد "زبائن" في سوق الحضارة العالمية، نستهلك ما يلقيه إلينا الغرب من أشياء، ونتبنى معها معاييره وقيمه رغماً عنا.
والأنكى من ذلك، أن مثقفينا ما زالوا يقتاتون على نفايات أيديولوجية لفظها الغرب وتجاوزها الزمن، فيتباهون باقتنائها كطفل يلهو بلعبة عتيقة عافتها أمة أخرى، وهي في حقيقتها سموم تمزق النسيج الحضاري للأمة وتفقدها هويتها.
خاتمة: نحو استعادة الروح
إن مكمن الخطر الأعظم يتمثل في قلب سلم القيم، بحيث تتربع الأشياء على قمة الأولويات، مما يفقد الأمة روحها ووجهتها الربانية. إننا مدعوون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، إلى تحطيم أصنام المادة، والعودة إلى رحاب الوحي الذي كرم الإنسان بالعقل والروح، وجعل الأشياء مسخرة له لا سيداً عليه.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأصلح فساد قلوبنا، وأعد لأمتنا توازنها الفكري والروحي، لتستأنف شهادتها على العالمين بوعي وبصيرة. آمين.



اترك تعليقاً