جحود الإلف وغفلة الاعتياد: فلسفة الحفاظ على النعم في ميزان الشكر

من أعمق الأزمات النفسية والروحية التي قد يبتلى بها الإنسان في رحلته الدنيوية هي تلك الازدواجية الغريبة في التعامل مع أقدار الله؛ فنحن كبشر نمتلك مهارة فائقة، وربما احترافية مؤلمة، في إحصاء ما ينقصنا، وفي رصد الثغرات التي لم تُسد بعد في جدار طموحاتنا، بينما نجد أنفسنا في غاية الضعف والقصور حين يتعلق الأمر بتبصر ما نتقلب فيه من نعم تملأ أركان حياتنا. إننا نعيش صراعاً خفياً بين رغبة جامحة في المزيد وبين ذهول مطبق عما هو موجود بالفعل، وهذا الخلل في الإدراك ليس مجرد هفوة عابرة، بل هو منزلق خطير قد يؤدي بنا إلى عواقب وخيمة لا ندرك مداها إلا بعد فوات الأوان.

معضلة التركيز على المفقود وتجاهل الموجود

تبدأ المأساة حين يتحول تركيز الإنسان من “مساحة الامتنان” إلى “مساحة التذمر”. فالملاحظ في السلوك البشري العام أننا نجيد ببراعة تعداد الأماني التي لم تتحقق، والرزق الذي تأخر، والفرص التي فاتتنا، ونقضي ساعات طوال في تحليل أسباب تعثر بعض أمورنا الدنيوية، وفي الوقت ذاته، نمر مرور الكرام على آلاف النعم التي تتدفق في عروقنا وفي تفاصيل يومنا دون أن تثير فينا ذرة من انتباه أو ومضة من شكر.

إن هذا التفاوت في الإدراك يجعلنا نعيش حالة من الفقر الشعوري رغم الغنى المادي أو الصحي؛ فالإنسان الذي يشكو ضيق الرزق وهو يتمتع بكامل عافيته، ويملك قوت يومه، ويأمن في سربه، هو في الحقيقة يمارس نوعاً من التعامي عن الحقيقة. إن الرزق ليس مجرد أرقام في حسابات بنكية، بل هو كل ما ينتفع به الإنسان، من نَفَسٍ يتردد، وعقل يفكر، وستر يحيط به من كل جانب. إن الانشغال بالشكوى من تأخر الرزق مع إهمال واجب الشكر على ما هو حاضر، يضع الإنسان في دائرة مفرغة من عدم الرضا، ويجعله عرضة لسخط النفس قبل سخط القدر.

ثنائية الخوف من الزوال والاتكال على الدوام

من العجائب التي تعتري النفس البشرية أنها تجمع بين نقيضين في التعامل مع النعمة: الخوف والقلق من زوالها، وفي المقابل التصرف برعونة وكأنها ملكية سرمدية مضمونة البقاء. نحن نعيش في حالة من الذعر المستتر من تقلبات الزمان، لكننا في ممارساتنا اليومية نتعامل مع الصحة، والمال، والأهل، والأمان، وكأنها ثوابت كونية لن تتزحزح.

هذا الاتكال الزائف يولد نوعاً من الغرور المسكوت عنه؛ فالثقة الزائدة بأن النعمة لن تغادرنا تجعلنا نتراخى في تعهدها بالرعاية والامتنان. إننا لا نبدأ في تقدير قيمة “العادي” في حياتنا إلا حين يتحول إلى “مفقود”. فحين تداهمنا الأمراض، نتذكر فجأة عظمة الصحة التي كانت رفيقتنا لسنوات دون أن نوفيها حقها من الحمد، وحين يحل الضيق، نتذكر السعة التي كانت تظللنا ونتحسر على الأيام التي مرت ونحن نشتكي فيها من “الملل” وسط رغد العيش. إن التحسر بعد الفقد هو صرخة الندم التي تطلقها النفس حين تدرك أنها أضاعت كنزاً كان بين يديها، لكنه ندم يأتي متأخراً، حيث لا ينفع التذكر إلا بقدر ما يورث من ألم.

هدي النبوة في استشعار النعم الصغيرة

في وسط هذا الضجيج الدنيوي، يأتي الهدي النبوي ليعيد ضبط بوصلة أرواحنا نحو أدق التفاصيل التي نصنفها نحن كـ “أفعال روتينية”، بينما هي في ميزان العبودية مفاتيح للرضا الإلهي العظيم. قال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ لَيَرْضَى عنِ العبدِ أنْ يأكُلَ الأكلةَ فيحمدَهُ عليها، أو يشربَ الشَّربةَ فيحمدَهُ عليها».

تأمل في عمق هذا الحديث؛ إن الله سبحانه وتعالى، بيده ملكوت كل شيء، يربط رضاه المطلق بعمل قد يبدو بسيطاً في نظرنا، وهو الحمد على لقمة أو جرعة ماء. هذا التوجيه النبوي يحمل في طياته دلالات عميقة:

  • تعظيم الصغير: أن النعمة مهما بدت صغيرة أو متكررة، فهي تستوجب اعترافاً بالفضل للمنعم سبحانه.
  • دوام الصلة: أن الحمد ليس فعلاً يُؤدى في المناسبات الكبرى فقط، بل هو نمط حياة يتكرر مع كل لقمة ونفس.
  • منهجية الامتنان: أن الاعتياد على شكر “الأكلة والشربة” يربي النفس على ملاحظة النعم الكبرى تلقائياً، فمن عجز عن شكر جرعة ماء، فهو عن شكر عظيم النعم أعجز.
  • إن رضا الله عز وجل هو الغاية الأسمى، وأن يكون الطريق إليه ميسراً عبر كلمة “الحمد لله” على مائدة الطعام، لهو درس في التواضع والعبودية، وتذكير بأن كل ما يدخل جوفنا هو رزق محض لم نكن لنناله لولا كرمه وتدبيره.

    تشريح الإهمال: لماذا نغفل عن النعمة؟

    إن إهمال النعمة الذي نتحدث عنه ليس بالضرورة أن يكون جحوداً صريحاً أو إنكاراً لوجود الخالق، بل هو في الغالب يتسلل إلينا عبر صور وأشكال خفية تجعلنا نفقد الحساسية تجاه فضل الله علينا. ويمكن إجمال هذه الصور في ثلاثة أسباب رئيسية:

    1. آفة الاعتياد (إلف النعمة):
    حين تتكرر النعمة كل صباح، تصبح في نظر الإنسان جزءاً من الديكور العام للحياة. الاستيقاظ ببدن معافى، رؤية الأبناء، توفر الأمن.. كلها نعم تتحول بفعل التكرار إلى حقوق مكتسبة في عقلنا الباطن، مما يضعف شعورنا بالدهشة والامتنان تجاهها. نحن لا نحس بقيمة النور إلا في الظلام، ولا بقيمة الهواء إلا عند الاختناق، وهذا هو قمة التقصير.

    2. دوامة الانشغال:
    في عصر يلهث فيه الجميع خلف السراب، يغرق الإنسان في تفاصيل “التحصيل” وينسى “التمتع بالحصاد”. يشغلنا البحث عما هو آتٍ عما هو كائن، ونقضي أعمارنا في التخطيط للمستقبل لدرجة أننا ننسى أن نعيش الحاضر المليء بالعطايا. هذا الانشغال يجعل القلب قاسياً لا يلين أمام تجليات الكرم الإلهي اليومية.

    3. الثقة الزائدة بالبقاء:
    وهو شعور زائف بالأمان يوهم الإنسان بأن الحالة الراهنة من النعمة هي حالة مستقرة لا تقبل التغيير. هذه الثقة تجعل المرء يتصرف باستهتار، فلا يقيد النعمة بالشكر، ولا يسيجها بالطاعة، ظناً منه أن “الخسارة” أمر يحدث للآخرين فقط، وليس له هو.

    السنن الربانية: الانسحاب الهادئ للنعم

    يجب أن يدرك كل لبيب أن السنن الكونية والربانية لا تجامل أحداً، ولا تحابي غافلاً. إن من شأن النعمة التي تُهمل ولا تُقدر قدرها أن تبدأ في الانسحاب من حياة صاحبها، وهذا الانسحاب غالباً ما يكون انسحاباً هادئاً ووقوراً، لا يسبقه ضجيج ولا إنذار صاخب.

    تبدأ النعمة بالرحيل حين تصبح ثقيلة على قلب العبد، أو حين ينشغل العبد بها عن المنعم. إنها تغادر بالتدريج؛ يرحل بريقها أولاً، ثم تذهب بركتها، ثم يتلاشى أثرها النفسي، حتى يجد المرء نفسه فجأة أمام فراغ موحش، متسائلاً بمرارة: متى تغيّر كل شيء؟ وكيف تحولت هذه الجنة التي كنت أسكنها إلى قفر؟

    إن الحقيقة المرة هي أن التغيير لم يحدث فجأة، بل كان نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال، واعتياد الفضل دون شكر، والتقلب في العطايا دون اعتراف. إن النعم “قيدها الشكر”، فإذا انفك القيد، لم يعد هناك ما يمنعها من الهروب والارتحال إلى من يقدر قيمتها ويحفظ حقها.

    كيف نستدرك ما فات ونحفظ ما بقي؟

    إن الطريق لاستعادة التوازن مع النعم يبدأ من يقظة القلب. لا بد للإنسان من وقفة تأملية يراجع فيها حساباته مع ربه ومع نفسه. ويمكن تلخيص خطوات الحفاظ على النعم في النقاط التالية:

  • ممارسة الامتنان الواعي: لا تكتفِ بالحمد اللساني العابر، بل اجعل لك ورداً يومياً لتعداد النعم التي تتقلب فيها، واستحضر عظمة الله في كل تفصيلة صغيرة.
  • كسر روتين الاعتياد: حاول أن تنظر إلى نعمك بعين “الغريب” أو “المحروم”؛ تخيل لو أنك استيقظت اليوم وقد سُلب منك ما كنت تعتبره بديهياً، كيف سيكون حالك؟ هذا التخيل يجدد في القلب حرارة الشكر.
  • تحويل النعمة إلى طاعة: أفضل وسيلة لشكر النعمة هي استخدامها فيما يرضي واهبها. شكر الصحة يكون بالعمل الصالح، وشكر المال بالصدقة، وشكر العلم بالتعليم، وهكذا يكون الشكر عملاً لا مجرد قول.
  • الحذر من الغرور: تذكر دائماً أن ما بين يديك هو عارية مستردة، وأن القادر على العطاء قادر على السلب في طرفة عين، وهذا الحذر يورث تواضعاً وأدباً مع الله في الرخاء قبل الشدة.

ختاماً، إن النعمة ضيف عزيز لا يسكن إلا في بيوت القلوب الشاكرة، ولا يرحل إلا إذا قوبل بالإعراض والإهمال. فلنحذر من أن نكون ممن “ألفوا النعمة فنسوا المنعم”، ولنجعل من “الحمد لله” نبضاً يسري في حياتنا، لا لمجرد الحفاظ على ما لدينا فحسب، بل طلباً لرضا الله الذي جعل من الشكر سبباً للمزيد، وطريقاً للخلود في نعيم لا يزول ولا يحول. إن الفرق بين السعادة والشقاء غالباً ما يكمن في المسافة بين “الالتفات للنعمة” و”إهمالها”، فكن من أولي الألباب الذين يقرأون رسائل الله في عطاياه، قبل أن يتجرعوا مرارة الحنين إليها بعد فوات الأوان.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *