جلالُ التعظيمِ وأسرارُ اليقين: قراءةٌ في عُمقِ العبوديةِ المفقودة

إنَّ المتأمل في أحوال الأمة اليوم، والناظر في تفاصيل الشتات النفسي والاضطراب السلوكي الذي يعصف بالكثيرين، يجدُ ظواهر تستوجب الوقوف الطويل؛ فهناك جرأةٌ غريبة على ارتكاب المعاصي، وهناك فتورٌ يثقل الكواهل عن أداء الطاعات، وهناك حالة من البرود الإيماني التي تجعل العبادات مجرد حركات آلية تخلو من الروح. وإذا فتشنا عن الجذور العميقة لهذا الخلل، بحثاً عن السبب الكامن وراء اضطراب بوصلة القلوب، سنجد أن الأزمة لا تكمن في غياب المعلومة الشرعية، ولا في غموض معالم الطريق، ولا في الجهل بالحلال والحرام؛ فالحق أبلج والباطل لجلج، والمواعظ تملأ الآفاق. إنما تكمن العلة في أصلٍ واحدٍ أصابه الاختلال، وهو أن الله -جل جلاله- لم يأخذ قدره الحقيقي في القلوب، ولم يُنزل في النفوس المنزلة التي تليق بعظمته وكبريائه.

حقيقة التعظيم ومعنى التقدير الإلهي

إن القضية المركزية التي يقوم عليها صلاح العبد أو فساده هي “التعظيم”. فلو استقرَّ في روع الإنسان جلال الخالق كما ينبغي، ولو أدرك العقل البشري المحدود شمائل الكمال الإلهي، لاستحيا العبد أن يرى ربه منه ما يكره، ولهاب أن يبارزه بالذنب وهو يعلم أنه مطلع عليه. إن التعظيم الحقيقي هو الحارس اليقظ الذي يمنع اليد أن تمتد إلى الحرام، ويزجر العين عن النظر إلى ما يغضب الملك العلام، ويرعد الفرائص هيبةً قبل الإقدام على أي خطيئة.

يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. هذه الكلمات ليست مجرد إخبار عن حال فئة من الناس، بل هي كشفٌ لداءٍ عضال يصيب الإيمان في مقتله. و”القدر” هنا يحمل معانيَ عميقة؛ فهو يعني عدم إعطائه سبحانه ما يستحقه من التعظيم والإجلال، وعدم معرفته حق المعرفة التي تورث الخشية. إن هذا “التقدير” المطلوب ليس عملية عقلية باردة، أو مجرد اعتراف بوجود الخالق، بل هو تقديرٌ ينبع من سويداء القلب، ويظهر أثره في حركات الجوارح وسكناتها، وفي مواقف العبد ومسارات حياته. إنه التقدير الذي يتجلى في “الخلوة” حين تغيب عيون البشر وتظل عين الله رقيبة، وفي “السر” حين لا يراك إلا من بيده ملكوت كل شيء.

عظمة السلطان وجبروت القدرة

لكي يعمق القرآن الكريم هذا المعنى في النفوس، فإنه يربط بين ضعف التعظيم وبين قصور المعرفة بصفات القهر والقدرة الإلهية. فتأمل كيف يأتي التكملة للآية السابقة: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}. هذا المشهد المهيب ليس مجرد صورة بيانية، بل هو حقيقة تقرع القلوب الغافلة؛ فكيف يجرؤ كائنٌ مجهريٌّ ضعيف، يعيش على كوكب هو هباءة في ملك الله، أن يعصي من الأرضُ كلُّها في قبضته؟ وكيف يستهين بأمرِ مَن تطوى السماواتُ الشاسعة بيمينه كما يُطوى السجلُّ للكتاب؟

إن استحضار هذه العظمة الكونية هو الدواء الناجع لمرض الجرأة على الله. فعندما يدرك العبد أن سلطانه سبحانه محيط بكل ذرة، وأن قدرته لا يعجزها شيء، يتقلص في نفسه الكبر، ويصغر في عينه كلُّ عظيمٍ سوى الله. إن الخلل الحقيقي هو أننا نتعامل مع الأوامر والنواهي وكأنها نصوصٌ جافة، غافلين عن “الآمر” و”الناهي” وعظيم قدره، ولو عرفناه حقاً، لكان الامتثال هو الثمرة الطبيعية والوحيدة لهذا العلم.

فجوة المعرفة: بين “المعلومة” و”الشهود”

تكمن مأساة الكثير من القلوب في عصرنا الحالي في أنها “تعرف عن الله”، لكنها “لا تعرف الله”. والفرق بين الأمرين شاسع؛ فالأولى معرفةٌ ذهنية، يجمع فيها المرء الأسماء والصفات، ويحفظ فيها نصوص الوعيد والوعد، ويسمع فيها الدروس والمواعظ، لكنها تظل حبيسة الذاكرة. أما الثانية فهي “معرفة الشهود والتعظيم”، وهي التي تنزل إلى القلب فتصبغ الوجدان بصبغة الهيبة، وتحول الإيمان من مجرد معلومات مرصوصة إلى طاقةٍ محركة تمنع العبد من الوقوع في شرك الغفلة.

عندما تغيب روح التعظيم، تتحول العبادات إلى عادات رتيبة؛ فتصبح الصلاة مجرد حركات رياضية بلا خشوع، ويصبح الصيام مجرد امتناع عن الطعام بلا تقوى، وتتحول الطاعة إلى صورٍ خاوية لا حياة فيها. إن الذنب في حد ذاته مشكلة، لكن المشكلة الأكبر هي “قلة التعظيم” التي سبقت الذنب، لأن القلوب الممتلئة بهيبة الله لديها “مناعة إيمانية” تمنع الخطيئة قبل وقوعها، أو تجعل صاحبها ينكسر وجلاً إن زلت به القدم، بينما القلوب الخالية من التعظيم تجد في المعصية سهولة ويسراً، وتجد في التوبة تثاقلاً وتسويفاً.

نور النبوة وكشف حقيقة الغفلة

لقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على أصل هذا الداء، ومنحنا المفتاح لفهم عمق القضية حين قال في كلمته التي تزلزل الغافلين: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا». هذه الكلمات النبوية تقطع عذر كل متمادٍ في غفلته؛ فهي تشير إلى أن العلم الحقيقي بجلال الله، والاطلاع على حقائق الآخرة وعظمة الخالق، يورث حالة من الانكسار والخشية الدائمة التي تذهب برعونة النفس وحب الفضول والمزاح الملهي.

لو أن القلب قدَّر الله حق قدره، لحدثت فيه تحولات جذرية:

  • الانكسار والفقر: لما رأى العبد لنفسه حولاً ولا قوة، ولعلم أن كل نعمةٍ هي محض فضل من الله، وكل طاعة هي بتوفيق منه.
  • الرضا والتسليم: لما اعترض العبد على حكمٍ شرعي، ولا سخط على قضاءٍ قدري، بل لاستقبل أقدار الله بالقبول، وأوامره بالسمع والطاعة، إدراكاً منه لحكمة الرب وعظمته.
  • اليقظة والمراقبة: لولدت هذه المعرفة رقابةً ذاتية لا تحتاج إلى واعظ من البشر، حيث يكون الله هو الرقيب الأول والأخير في كل نبضة ونظرة.
  • توقير الشعائر: لما استهان العبد بأمرٍ صغير أو نهيٍ يسير، فالمعصية عند العارفين ليست بنظر صغر الذنب، بل بعظمة من عُصي.

التعظيم كمنهج حياة وميزان للمحاسبة

إن رحمة الله بنا تجلت في أنه كشف لنا هذا الداء في آية واحدة جامعة، لتكون مرآةً نعرض عليها أنفسنا في كل حين. إن قوله تعالى {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ليس مجرد توبيخ للأمم السابقة، بل هو نداءٌ لكل مؤمن ليعيد فحص “بوصلة التعظيم” في قلبه. علينا أن نطرح على أنفسنا أسئلةً صريحة وموجعة لندرك أين نحن من هذا المقام:

1. ميزان الأوامر والنواهي: كيف أتعامل مع نداء الله؟ هل أسارع للامتثال حبًا وإجلالاً، أم أنني أبحث عن الرخص والمخارج لتجاوز الأوامر؟
2. اختبار الخلوات: ما هو حالي حين تنفرد بي المعاصي ولا يراك أحد؟ هل يظل قدر الله في قلبي أعظم من لذة الذنب العابرة؟
3. ترتيب الأولويات: هل أقدم رضا الله عز وجل على هوى نفسي ورغباتها، أم أن “الأنا” تتضخم حتى تحجب نور التعظيم؟
4. أثر العظمة في السلوك: هل يظهر أثر إجلال الله في صمتي وتفكري، وفي كلامي ومنطقي، وفي نظرات عيني وخطوات قدمي؟ هل أنا ممن يراقبون الله في “دقائق” الأمور كما يراقبونه في “عظائمها”؟

إن التعظيم الحقيقي يثمر خضوعاً كاملاً، ويورث خشيةً صادقة، وينشئ ميزاناً دقيقاً للاختيارات اليومية. فالمؤمن الذي يقدر ربه حق قدره لا يمكن أن يكون عبداً لهواه، ولا يمكن أن يكون غافلاً سادراً في غيه، بل هو دائم الافتقار، دائم الوجل، دائم السعي نحو مرضاة من بيده ملكوت كل شيء.

فانتبه أيها العبد، وراجع جنبات قلبك، وفتش في زوايا نفسك؛ فإن وجدت فتوراً فاعلم أن رصيد التعظيم قد نقص، وإن وجدت جرأةً فاعلم أن معرفتك بالله قد اعتراها الغبش. أدِّب نفسك على قدر من هو ربك، واستحضر عظمته في كل شهيق وزفير، فما طابت الدنيا إلا بذكره وتعظيمه، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ورؤيته. إن الطريق إلى الله يبدأ بقلبٍ يعظمه، وينتهي بروحٍ تأنس بجواره، وما بينهما هو رحلة البحث عن “حق قدره” الذي غفل عنه الكثيرون وفاز به المتقون.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *