واجهة الصراع: الإعلام كأداة لتغييب الوعي
إن الصراع بين الحق والباطل ليس مقصوراً على ميادين القتال أو المناظرات الفكرية فحسب، بل إن أشرس معاركه تدور اليوم خلف الشاشات وفي أروقة المؤسسات الثقافية. لقد أدرك الخصوم أن الوصول إلى قلب الأمة وعقلها يبدأ من تشويه رموزها، فاستغل التيار العلماني سيطرته المطلقة على مفاصل الإعلام، والسينما، والمسرح، ليشنوا حرباً غير أخلاقية استهدفت الإنسان المتدين في جوهره. إنها محاولة خبيثة لإقامة سد منيع بين الجماهير وبين الفكرة الإسلامية الأصيلة، عبر رسم صورة ذهنية مشوهة تجعل من التدين مرادفاً للتخلف أو النفاق، حائلين بذلك دون أن تؤتي الدعوة ثمارها في قلوب الناس.
إن ما نشهده اليوم هو إجماعٌ مؤلم بين العاملين في الحقل الدعوي، بل وحتى بين عامة المسلمين، على أن الشخصية المتدينة تتعرض لظلم فني صارخ. هذا التشويه الممنهج لم يكن وليد الصدفة، بل هو عمل تراكمي أثر سلباً على مسيرة الدعوة والدعاة، وحوّل الالتزام بالدين في نظر الأجيال الناشئة من مصدر فخر إلى مادة للسخرية أو الريبة.
القوالب النمطية: صناعة “المسخ” الديني في السينما
يتحدث الدكتور سعد بركات، أستاذ النقد الأدبي، عن واقع السينما المصرية -التي تمثل الوعاء الأكبر للسينما العربية- وكيف حصرت المتدين في دورين لا ثالث لهما: إما “المأذون الشرعي” أو “مدرس اللغة العربية”. وفي كلتا الحالتين، يتم تقديمه بصورة فجة؛ إنسان يتحدث الفصحى بتكلف منفر، مظهره رقيع، يغازل النساء أو يشجع غيره على ذلك، يضحك ببلادة دون سبب، ويهيم حباً بالأكل والموائد، متجرداً من كل سمت إسلامي وقور.
هذا القالب الفني حول المتدين إلى إنسان سلبي، مسخ، وأضحوكة تثير الاشمئزاز لا الثقة. والخطورة هنا تكمن في أن فقدان الثقة بالشخصية يمتد تلقائياً إلى مرجعيتها، وهي الإسلام. لقد كان الهجوم ذكياً وخبيثاً في آن واحد؛ فهو لم يقدح في جوهر الدين مباشرة في البدايات، بل قدح في الرموز التي تمثل هذا الدين في حياة الناس اليومية، مثل المأذون والمدرس، ليخلق فجوة وجدانية بين المجتمع وبين لغته ودينه.
من القدوة إلى الهجوم: تحولات الدراما العربية
بالعودة إلى تاريخ الفن، نجد أن الأربعينيات وبداية الخمسينيات شهدت نماذج إيجابية للمسلم. ويستذكر الدكتور محمد يحيى، أستاذ الأدب والنقد، أفلام الراحل حسين صدقي التي كانت تحمل قيماً إسلامية أصيلة، وفيلم “جعلوني مجرماً” حيث جسد الفنان يحيى شاهين شخصية “الشيخ حسن” بصورة العالم الفاضل، الطيب، الذي يقف بجوار المظلوم ويفتح له باب التوبة.
لكن هذه الصورة الإيجابية توارت لتفسح المجال لموضة جديدة: الهجوم على الرموز الإسلامية بدعوى محاربة الإرهاب. لم يعد هناك تفريق بين الفكر الأصيل المنضبط وبين الفكر المنحرف المتطرف، بل جُعل الجميع في سلة واحدة. والمفارقة الصارخة هنا هي الأمانة المفقودة في التعامل مع الأديان؛ فبينما يتم تقديم رجال الدين الآخرين بصورة مثالية وإيجابية على طول الخط، يُخصص المشايخ وعلماء الأزهر بالغمز واللمز والتشويه.
حتى كبار الكتاب، مثل أسامة أنور عكاشة، رغم براعته الفنية، سقط في فخ التحيز عند تناول المتدين. ففي “ليالي الحلمية”، صوّر المتدينة في شخصية شقيقة سليم البدري المهووسة بالخرافات، وفي “امرأة من زمن الحب”، قدم عالم الدين بصورة الفاسد المزواج، مما أثار غضب علماء الأزهر الشريف. إننا نبحث في هذه الأعمال عن الشخصية المتدينة الهادئة، المتزنة، والمنتجة، فلا نجد إلا نماذج منفرة تُقحم إقحاماً في السياق الدرامي.
تشريح السينما السوداء: وحيد حامد وعادل إمام نموذجاً
لقد وجد صناع السينما ضالتهم في شخصية “المتطرف”، فصوروها في قالب طالب جامعي أو موظف ملتحٍ، عدواني، منافق، ومنفر الملامح. وفي تحليل دقيق للنقاد، نجد أن أفلاماً بعينها كانت رأس الحربة في هذا التشويه:
1. فيلم “الإرهاب والكباب”: صوّر المتدين في صورة موظف يترك مصالح الناس ليصلي في غير وقت الفريضة، وحين يُنتقد يكفّر الآخرين. ولم يكتفِ المؤلف بذلك، بل أظهره كإنسان يضعف أمام إغراء امرأة منحرفة، وكأن التقوى لا تعصم صاحبها، والهدف هو إقناع المشاهد بأن المتدينين هم سبب تعطل الحياة والفساد.
2. فيلم “طيور الظلام”: هنا انتقل التشويه إلى مستوى أكثر خطورة، حيث صُور المتدين (المحامي علي) كـ “خفاش” يعمل في الظلام، يسعى للسلطة بطرق مشبوهة، ويستخدم الدين كغطاء لمطامعه السياسية. الفيلم يضع المشاهد أمام خيارين كلاهما مر: إما الفساد السياسي الصريح أو الانتهازية الدينية، مما يولد كرهاً عميقاً لكل من يرفع شعار الإسلام.
3. فيلم “الإرهابي”: يُعد هذا الفيلم ذروة التشويه، حيث قُدم المتدين كآلة قتل وتدمير، يعيش في أماكن موحشة كالعصابات، ويعاني من كبت جنسي يولد لديه العنف. والرسالة الأخطر كانت في الحل الذي طرحه الفيلم: أن المتدين لا ينصلح حاله إلا إذا ترك بيئته الدينية وانغمس في بيئة متحررة، ليتحول فكره وسلوكه!
ازدواجية المعايير: المثقف “الشيوعي” مقابل المتدين “المنغلق”
تتجلى قمة الظلم والتحيز السياسي في المقارنة بين تصوير “الشيوعي” و”المتدين”. في السينما العربية، غالباً ما يكون الشيوعي إنساناً مثقفاً، هادئاً، أستاذاً جامعياً أو فناناً يضحي من أجل المبادئ، وينتمي لطبقة راقية. أما المتدين، فهو ابن الطبقات الدنيا، الجاهل، الذي لجأ للدين هرباً من الفقر أو البطالة، وكأن الدين مجرد “مخدر” للفقراء سيزول بمجرد التعلم أو الغنى.
في فيلم “الهجامة”، نجد السجينة الشيوعية تمارس غسيل مخ للمساجين بأسلوب فكري منمق، بينما في فيلم “الكيت كات”، يُزج بالزي الأزهري في وحل الانحراف والبوهيمية. لماذا يتم إقحام الرمز الإسلامي في هذه الصور المبتذلة؟ إن الهدف هو ترسيخ فكرة أن التدين قرين الجهل، وأن العلمانية واليسارية هما قرينتا الثقافة والتحضر.
الأبعاد النفسية والاجتماعية للتشويه الممنهج
إن هذا التشويه المتعمد يهدف إلى ضرب “القدوة” في مقتل. عندما يرى الشاب المسلم أن كل من يلتزم بدينه يُصوّر في الإعلام كإرهابي أو منافق أو أبله، فإنه سيهرب لا إرادياً من هذا الالتزام خوفاً من الوصم الاجتماعي. إنها عملية “هندسة اجتماعية” تهدف إلى سلخ الأمة عن هويتها.
تقول المخرجة إنعام محمد علي إن الدين كان من المحرمات فنياً، ولكن مع ظهور موجة الإرهاب، استغل البعض ذلك لربط الدين بالتخلف بصورة ظالمة. وتؤكد أن الشخصية المتدينة الواعية هي جزء أصيل من نسيج المجتمع العربي، وأن التحريف في تصويرها هو خطأ جسيم يضر بالبنية الاجتماعية.
نداء اليقظة: نحو إعلام إسلامي بديل
إننا اليوم أمام مسؤولية تاريخية. لا يكفي أن نستنكر هذا التشويه، بل يجب أن نتحرك لتحرير ثقافتنا حتى تقود سياستنا وحياتنا. إن الأمة بحاجة إلى فن إسلامي بديل، يتسم بالاحترافية والجمال، ويقدم الشخصية المتدينة بصورتها الحقيقية: الإنسان المتزن، العالم، المنتج، والمحب للخير.
يجب على الكتاب والمخرجين والمبدعين من أبناء الصحوة الإسلامية أن يقتحموا هذا الميدان، ليس لتقديم وعظ مباشر ومنفر، بل لتقديم دراما إنسانية عميقة تعكس قيم الإسلام في الصدق، والأمانة، والتضحية، والجمال. إن المعركة اليوم هي معركة “الصورة”، ومن يملك الصورة يملك التأثير في عقول الجماهير. فلنعمل على استعادة صورتنا المشرقة، ولنرفع الغطاء عن تلك المخططات التي تريد لنا أن نستحي من ديننا، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

اترك تعليقاً