الذكرى الأولى للعودة: ترامب يفرض إيقاعاً متسارعاً على واشنطن
تطوي السنة الأولى من رئاسة دونالد ترامب الثانية صفحاتها وسط عاصفة من التطورات المتلاحقة التي أعادت تشكيل ملامح السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة. فمنذ لحظة دخوله البيت الأبيض مجدداً بموجب تفويض شعبي واسع، انتهج ترامب أسلوباً يتسم بالنشاط المفرط وتعدد الأوجه، مما جعل إيقاع الأحداث في واشنطن يتجاوز السرعات المعتادة. وبينما يرى أنصاره في هذا الزخم وفاءً مخلصاً بوعوده الانتخابية تحت شعار “جعل أمريكا قوية من جديد”، يراقب خصومه هذه التحركات بقلق بالغ، معتبرين أن سياساته تعمق الانقسام الحاد الذي بات السمة الأبرز للمجتمع الأمريكي في عهده.
ملف الهجرة: من ضبط الحدود إلى الترحيل من العمق
تصدرت قضية الهجرة أولويات رئاسة دونالد ترامب الثانية، ولكن باستراتيجية مغايرة تماماً لولايته الأولى. فلم يعد التركيز منصباً فقط على بناء الجدران أو ضبط الحدود المباشرة، بل انتقل الثقل إلى الداخل الأمريكي. أصدر ترامب تعليمات مشددة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك (ICE) لتعقب وترحيل المهاجرين غير الشرعيين من قلب المدن والأحياء السكنية. هذا التحول النوعي، الذي شمل أيضاً تشجيع العودة الطوعية، أدى إلى انخفاض معدلات الهجرة غير الشرعية إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي الحديث، مما عزز شعبيته لدى قاعدته الانتخابية التي تعتبر الهجرة تهديداً اقتصادياً وأمنياً.
الاقتصاد بين بريق التخفيضات الضريبية وشبح التضخم
على الصعيد الاقتصادي، نجح ترامب في انتزاع موافقة الكونغرس على حزمة إنفاق ضخمة تضمنت تمديد الإعفاءات الضريبية السابقة وإضافة تخفيضات جديدة، مثل إلغاء الضرائب على الإكراميات، وهو ما اعتبره مراقبون نجاحاً سياسياً كبيراً. ومع ذلك، لا تزال معضلة التضخم تؤرق الإدارة الجديدة؛ حيث تشير الباحثة إيلين كارمارك من معهد بروكنجز إلى أن نسبة التضخم المستقرة عند 2.7% لم تنعكس بشكل ملموس على القوة الشرائية للمواطن العادي. وبالتوازي مع ذلك، يبرز خطر العجز المالي الذي يقترب بالدين العام من حاجز 40 تريليون دولار، في ظل مراهنة ترامب على التعرفة الجمركية كأداة لتعظيم الموارد، وهي سياسة تثير مخاوف الشركاء الدوليين من تقويض تجارة العالم الحرة ورفع الأسعار عالمياً.
دبلوماسية الصفقات والمواجهات المباغتة
شهدت السياسة الخارجية في عهد ترامب مزيجاً غريباً من الوساطات الناجحة والعمليات العسكرية الخاطفة. فقد سجلت الإدارة نجاحاً دبلوماسياً لافتاً بإبرام اتفاق لوقف الحرب في غزة حظي بقرار أممي من مجلس الأمن، بالإضافة إلى وساطات في صراعات إقليمية معقدة مثل أذربيجان وأرمينيا. إلا أن طموح ترامب في نوبل للسلام اصطدم باستمرار الحرب الأوكرانية رغم لقاءاته مع بوتين وزيلينسكي. وفي المقابل، صدم ترامب العالم بعملية جريئة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وضرب البرنامج النووي الإيراني في نهاية الصراع الإسرائيلي الإيراني، مما أبقى منطقة الشرق الأوسط في حالة من الترقب المشوب بالحذر، خاصة مع دعمه المعلن للانتفاضة الشعبية داخل إيران.
تحديات 2026: الانتخابات النصفية وشبح العزل
مع اقتراب السنة الثانية، يستعد الحزب الديمقراطي لمعركة شرسة في انتخابات الكونغرس النصفية المقررة في نوفمبر 2026، مركزاً على قضايا غلاء المعيشة والسكن كأدوات لإضعاف الأغلبية الجمهورية. يدرك ترامب جيداً أن خسارة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ قد تعيد فتح ملفات العزل التي واجهها مرتين في ولايته الأولى. ورغم التلاحم الحالي داخل الحزب الجمهوري حول قيادته، إلا أن نتائج الانتخابات القادمة ستكون هي المسطرة التي ستحدد شكل النصف الثاني من ولايته، وما إذا كان سيستمر في تنفيذ أجندته بنفس القوة، أم سيجد نفسه محاصراً في معارك قانونية وسياسية جديدة تحت قبة الكابيتول.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً