حصون الإيمان: فقه ائتلاف القلوب وضرورة اجتماع الكلمة في ظلال الوحي

تتجلى عظمة الشريعة الإسلامية في غاياتها السامية التي لا تتوقف عند حدود العبادات الفردية، بل تمتد لتصيغ كيانًا اجتماعيًا متماسكًا يقوم على دعائم “الأخوة الإيمانية” المتينة. إن ائتلاف القلوب واجتماع الكلمة ليس مجرد خيارٍ اجتماعي أو مطلبٍ سياسي، بل هو مقصدٌ شرعي أصيل وأساسٌ من أسس هذا الدين؛ إذ لا يقوى عود الأمة ولا يتحقق نماء رسالتها إلا بالترابط الوثيق والالتحام تحت راية التوحيد، بعيدًا عن نزعات التشرذم ورياح الفرقة التي تذرو القوة وتورث الوهن.

الميثاق الإلهي: الاعتصام بحبل الله

لقد صاغ القرآن الكريم دستور الوحدة في آياتٍ بليغة تلامس شغاف القلوب، ومن أجمعها قوله سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا}. وفي الغوص في أعماق هذه الآية، نجد أن لفظ “الاعتصام” مشتق من “العصمة”، وهي طلب الوقاية والمنعة؛ فالمسلم حين يعتصم بدينه، فإنه يطلب الحماية من الوقوع في مهاوي الضلال أو التشتت. أما “الحبل”، فهو ذاك الرابط المتين الذي يُستمسك به للنجاة من غرقٍ محقق أو سقوطٍ في هاوية، وهنا يأتي التمثيل القرآني البديع؛ حيث يصور الأمة كجماعة أُلقي إليها حبل النجاة من قِبل خالقها، فإذا استمسكوا به جميعًا نجوا، وإذا انفلت أحدهم هلك.

إن كلمة “جميعًا” في الآية ليست نافلة، بل هي حالٌ تؤكد أن المقصود هو الاعتصام الجماعي للأمة ككيانٍ واحد، وليس مجرد تمسك الفرد في عزلته. إن الوحدة في تمثل قيم الدين وعهوده ووصاياه هي التي تمنح الأمة هيبتها، وبها تُصلح شؤون الدنيا والدين معًا. ففي الائتلاف تنبثق مصالح لا حصر لها، من التعاون على البر والتقوى وتضافر الجهود للبناء، بينما يؤدي الافتراق إلى تمزق الروابط وسيطرة الأنانية، حيث ينشغل كل فرد بشهوته ورأيه الخاص، مما يفضي بالضرورة إلى ضررٍ عام يحيق بالجميع.

ومع هذا التشديد على الوحدة، ينبغي التفريق الدقيق بين “الفرقة المذمومة” وبين “الاختلاف السائغ” في المسائل الفرعية والاجتهادية. فالاختلاف الذي ينشأ عن استنباط الأحكام واستخراج دقائق المعاني الشرعية لم يكن يومًا عائقًا أمام تآلف القلوب؛ إذ كان الصحابة الكرام يختلفون في تقدير بعض الحوادث والفرائض، ومع ذلك بقيت قلوبهم مجتمعة ومودتهم باقية، لأن اختلافهم كان اختلاف تنوعٍ واجتهاد، لا اختلاف تضادٍ وعناد.

فلسفة الأخوة والرضا الإلهي عن الجماعة

لقد رسخ القرآن الكريم قاعدة ذهبية في سورة الحجرات بقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وهذا الحصر بـ “إنما” يفيد أن الإيمان الحقيقي يستلزم بالضرورة قيام الأخوة. وهذه الأخوة تتجاوز العواطف المجردة لتصبح “تناصرًا على الحق” و”تعاونًا على الخير”. إنها الرابطة التي تمنع التقاطع والتدابر، وتجعل من المسلمين جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

وفي السنة النبوية المطهرة، نجد تأكيدًا على أن هذا الاجتماع هو مبعث للرضا الإلهي؛ ففي الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاَثًا» وذكر منها: «أَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا، وَلاَ تَفَرَّقُوا». وقد شرح الإمام النووي هذا الاعتصام بأنه التزام بعهد الله، واتباعٌ دقيق لكتابه وحدوده، وتأدبٌ بآدابه. إن العرب قديمًا كانت تطلق “الحبل” على الأمان والوصلة، فاستعار النبي ﷺ هذا اللفظ ليبين أن النجاة والأمان لا يتحققان إلا بلزوم الجماعة وتأليف القلوب، وهي قاعدة من أعظم قواعد الإسلام التي لا يستقيم بنيانه بدونها.

ويزداد الأمر وضوحًا في التحذير من مغبة التفرد والفرقة، حيث يقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ». إن الشيطان يترصد بالمنفرد الذي يشذ عن سواد الأمة ورأي جماعتها، فيسهل عليه إغواؤه. أما من أراد “بحبوحة الجنة” أي وسطها وأفضلها، فعليه أن يلزم الجماعة؛ والمقصود هنا بالجماعة هم السواد الأعظم من الأمة، والسلف الصالح، وأهل الحل والعقد الذين يجتمعون على الحق والهدى.

وعيد التفريق وآثاره في الآخرة

لقد ذم الوحي الإلهي الفرقة بأشد العبارات، وحذر من التشبه بالأمم السابقة التي ضلت بعدما جاءتها البينات. يقول الله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ}. إن مأساة تلك الأمم لم تكن في الجهل، بل كانت في الاختلاف رغم العلم، والفرقة رغم وضوح الحجة، فاستحقوا بذلك عذابًا عظيمًا.

وفي مشهدٍ مهيب من مشاهد يوم القيامة، يربط القرآن الكريم بين الحالة القلبية والمنهجية في الدنيا وبين ملامح الوجوه في الآخرة:

  • وجوه بيضاء مستبشرة: وهي وجوه أهل السنة والجماعة والائتلاف، الذين اعتصموا بحبل الله في الدنيا، فكساهم الله في الآخرة بهجةً وسرورًا ونضرة، جزاءً لما كانت تفيض به قلوبهم من حبٍ للحق واجتماعٍ عليه.
  • وجوه مسودة مظلمة: وهي وجوه أهل البدع والفرقة والضلال، الذين شتتوا الدين واختاروا سبل الهوى، فظهرت آثار خزي قلوبهم وذلتها على وجوههم، ويُقرعون بسؤال التوبيخ: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ؟}؛ فالكفر هنا قد يُراد به كفر النعمة أو الضلال الذي أعقب الهدى.

إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا وأحزابًا، كل حزبٍ بما لديهم فرحون، قد تبرأ النبي ﷺ من صنيعهم بنص القرآن: {لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ}. فالدين يأمر بالوحدة في الأصول والائتلاف في الفروع، ومن جعل الدين أجزاءً مبعثرة يأخذ منها ما يوافق هواه ويترك ما يخالفه، فقد سلك طريق أهل الأهواء والمبدلين.

الصراط المستقيم والسبل المتفرقة

لقد رسم الله عز وجل لنا معالم الطريق بوضوحٍ تام: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. الصراط واحد لأنه يمثل الحق المطلق الموصل إلى الله، أما السبل فهي كثيرة ومتشعبة ومغرية، وهي سبل الابتداع والشهوات والشبهات التي تفرق العبد عن ربه وعن جماعة المسلمين. فمن حاد عن هذا الصراط الواحد يمينًا أو شمالاً، لم يجد إلا طرقًا تفضي به إلى المهالك.

ويأتي حديث النبي ﷺ عن افتراق الأمم ليضع النقاط على الحروف، حيث أخبر بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي “الجماعة”. والجماعة هنا ليست مجرد كثرة عددية، بل هي الموافقة للحق الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. فالنجاة مرتبطة بالتمسك بهذا المنهج النبوي الأصيل، ونبذ كل ما أحدثه المحدثون من أصولٍ فاسدة كالحرورية، والقدرية، والجهمية، وغيرها من الفرق التي فارقت الجماعة بأهوائها.

نماذج مضيئة من فقه الائتلاف عند السلف

لم يكن ائتلاف القلوب عند سلفنا الصالح مجرد شعارات، بل كان واقعًا تطبيقيًا حتى في أحلك الظروف السياسية والفتن. لقد جسدوا أعلى معاني الورع والحرص على دماء المسلمين ووحدتهم:

1. ورع الصحابي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: حين عصفت الفتنة الكبرى بالأمة بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه، اعتزل سعد رضي الله عنه الناس، مفضلاً البعد عن مواطن النزاع التي قد تفرق الكلمة. وعندما جاءه ابنه يلومه على تركه الخلافة والناس يختلفون، طلب منه سيفًا يميّز المؤمن من الكافر! وهذا تعبير بليغ عن شدة حذره من إراقة دمٍ مسلم في فتنة، وحرصه على ألا يكون جزءًا من انقسام الأمة.
2. ثبات عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: حين عُرضت عليه البيعة مقابل قتال أهل العراق، رفض رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أنه لا يسره أن يبايعه الناس جميعًا إلا أهل قرية واحدة (فدك) إذا كان ثمن ذلك قتل مسلم واحد. لقد كان يرى أن وحدة القلوب واجتماع الأمة أغلى من أي منصب أو سلطة.
3. بكاء الحسن البصري وحكمته: في لحظات اشتعال الفتن، كان الحسن البصري يمثل مرجعاً في الهدوء والسكينة. وحين سأله مالك بن دينار عما يفعل في الفتنة، بكى الحسن شفقةً على حال الأمة، مدركًا أن الصبر والاعتزال في مواطن الشبهة هو السبيل الأقوم للحفاظ على ما بقي من ائتلاف المسلمين.

إن أهل السنة والحديث، كما وصفهم شيخ الإسلام ابن تيمية، هم “أعظم الناس اتفاقًا وائتلافًا”؛ لأنهم جمعوا بين العلم بالحق والرحمة بالخلق. فكلما اقترب الإنسان من منهج النبوة، كان أكثر حرصًا على الجماعة، وأكثر بعدًا عن العصبية والجاهلية والفرقة.

إن حاجتنا اليوم إلى بعث هذا المنهج أشد من أي وقت مضى؛ لتقوم الأمة من كبوتها مستمسكة بحبل الله المتين، مجتمعة القلوب، متحدة الكلمة، تنشد رضا ربها وتبني حضارتها على قيم الأخوة والرحمة والاعتصام.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *