حكمة التدرج في التشريع الإسلامي: معالم التيسير والتربية الربانية في صياغة النفوس

حكمة التدرج في التشريع الإسلامي: معالم التيسير والتربية الربانية في صياغة النفوس

حكمة التدرج في التشريع الإسلامي: معالم التيسير والتربية الربانية في صياغة النفوس

إن من أسمى تجليات الحكمة الإلهية في رعاية أحوال العباد، أن الشريعة الغراء لم تنزل أحكامها وتكاليفها معزولة عن واقع الناس أو منبتة عن طبائع نفوسهم ومنازع أفئدتهم؛ بل إن التدرج في التشريع الإسلامي كان سنة تربوية وتشريعية ضرورية لبناء الفرد والمجتمع على أسس متينة. لقد سلك الإسلام طريق التهيئة الحكيمة، لتمكين النفوس من قبول الأحكام والاستجابة لها عن طواعية وإيمان ويقين.

سنة التدرج في الفرائض والواجبات

من مقتضيات رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده وتيسيره عليهم، أنه راعى سنة التدرج فيما شرعه لهم من واجبات، فالمتأمل في الفرائض الكبرى كالصلاة والصيام والزكاة يجد أنها لم تفرض بصورتها النهائية دفعة واحدة، بل تدرجت عبر مراحل ودرجات حتى استقرت على هيئتها التي نعبد الله بها اليوم. هذا التدرج كان بمثابة إعداد روحي وجسدي للمؤمنين، لكي لا تثقل عليهم التكاليف إذا ما جاءت جملة واحدة.

منهجية التعامل مع المحرمات المتجذرة

أما في باب المنهيات، فقد كان التدرج أشد وضوحاً وأبلغ أثراً؛ إذ علم الله عز وجل مدى تغلغل بعض العادات في النفوس وسلطانها على الحياة الاجتماعية. فكانت الحكمة تقتضي إعداد الناس ذهنياً ونفسياً لتركها، وأخذهم بالرفق تارة وبالتلميح تارة أخرى، حتى إذا استوت النفوس على قبول الحق، جاء الأمر القاطع فامتثله المؤمنون قائلين: سمعنا وأطعنا.

تحريم الخمر: من الإلف إلى الانتهاء

ولعل أوضح مثال معروف في ذلك هو تحريم الخمر على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي؛ حتى إذا نزلت الآيات الحاسمة في النهي عنها من سورة المائدة، وفي ختامها: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] قال المؤمنون في قوة، وتصميم: قد انتهينا يا رب! (الخصائص العامة للإسلام، يوسف القرضاوي، ص181).

وفي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. يقول سيد قطب ـ رحمه الله ـ:

"وهذا النصُّ الذي بين أيدينا كان أول خطوة من خطوات التحريم، فالأشياء، والأعمال قد لا تكون شرّاً خالصاً، فالخير يلتبس بالشر، والشرُّ يلتبس بالخير في هذه الأرض، ولكن مدار الحِلِّ، والحرمة هو غلبة الخير، أو غلبة الشر، فإذا كان الإثم في الخمر، والميسر أكبر من النفع؛ فتلك علَّة تحريم، ومنعٍ؛ وإن لم يصرح هنا بالتحريم، والمنع."

الفارق بين الأصول الاعتقادية والتقاليد الاجتماعية

هنا يتجلى لنا طرف من منهج التربية الإسلامي القرآني الرباني الحكيم، حيث يفرق التشريع بين الثوابت العقدية وبين العادات المعقدة.

  • في العقيدة: عندما يتعلق الأمر بقاعدة من قواعد التصور الإيماني، فإن الإسلام يقضي فيها قضاءً حاسماً منذ اللحظة الأولى. فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد، أو الشرك؛ أمضى أمره منذ اللحظة الأولى في ضربة حازمة جازمة لا تردد فيها.
  • في العادات: عندما يتعلق الأمر بعبادة وتقليد، أو بوضع اجتماعي معقد؛ فإن الإسلام يتريث به، ويأخذ المسألة باليسر، والتدرج، ويهيِّأئ الظروف الواقعة التي تيسر التنفيذ، والطاعة.

فأما الخمر، والميسر؛ فقد كان الأمر أمر عادة وإلف، والعادة تحتاج إلى علاج، فجاء التدرج كمنهج علاجي.

معالجة نظام الرق برؤية حكيمة

ولعل رعاية الإسلام للتدرُّج، هي التي جعلته يقضي على نظام الرقِّ الذي كان نظاماً سائداً في العالم كله عند ظهور الإسلام، وكان إلغاؤه يؤدي إلى هزة عنيفة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فكانت الحكمة في تضييق روافده، بل ردمها كلها ما وُجِدَ إلى ذلك سبيل، وتوسيع مصارفه إلى أقصى حد، فيكون ذلك بمثابة إلغاء الرق بطريق التدرج وهذه السنة الربانية في رعاية التدرج واضحة في كتاب الله دالةٌ على وسطيَّة القرآن ومعلم من معالم الحكمة والاعتدال، في تشريعات العليم الحكيم.

التدرج في تحريم الربا

لقد كان من حكمة الله عز وجل في تحريم الربا كما هو الشأن في تشريعاته: (التدرج في التحريم، والانتقال من التعريض، والتلويح إلى النص الصريح، ومن النهي الجزئي إلى النهي الكلي الحاسم). وقد تناول القرآن الحديث عن الربا في أربعة مواضع، تدرجت من الوعظ المكي إلى التشريع المدني الحازم.

وبهذا تتضح وسطيَّة القرآن في التشريع في باب التدرج عند التحريم لشيء اعتاد الأفراد عليه، أو ألفوه في المجتمع، فالتدرج في التحريم وسط بين التحريم الفوري الذي لا ينسجم مع نفوس الناس وفطرتهم وما اعتادوه، وبين الإفراط، وهو ترك الناس على ما اعتادوه من فساد، وحرام لا يليق مع البشر السوي. (الوسطية، د. علي الصلابي، ص562).

واجب الدعاة ومنهج التغيير المنشود

يجب على حملة مشاعل الهداية والدعاة أن يراعوا سنة التدرج في سياسة الناس؛ فإعادة الحياة في ظل شرع الله المتكامل لا تتحقق بقرارات فوقية مجردة، إنما تتحقق بطريق التدرُّج المبني على تصور صحيح، واعتقاد سليم، مع مراعاة الإعداد والتهيئة الفكرية، والنفسية، والأخلاقية، والاجتماعية. وهو نفس المنهاج الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية، فقد ظل ثلاثة عشر عاماً في مكة، كانت مهمته فيها تنحصر في تربية الجيل المؤمن الذي يستطيع فيما بعد أن يحمل عبء الدعوة.

خاتمة:
إن فقه التدرج ليس مجرد وسيلة زمنية، بل هو عمق في فهم النفس البشرية ومقاصد الشريعة. فنسأل الله العلي القدير أن يرزقنا البصيرة في دينه، والحكمة في دعوته، وأن يجعلنا ممن يستنون بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في الرفق والتيسير، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *