تعيش مدينة حلب السورية حالة من الاستنفار العسكري القصوى والتوتر الميداني المتصاعد، بعدما تحولت أحياء "الأشرفية" و"الشيخ مقصود" إلى ساحة لمواجهات متجددة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). هذا التصعيد دفع بالسلطات العسكرية إلى إعلان الحيين منطقة عسكرية مغلقة، وسط تبادل للاتهامات وتحذيرات من انزلاق المنطقة نحو حرب واسعة النطاق.
حصار عسكري وتصعيد ميداني في قلب حلب
بدأت ملامح التصعيد الفعلي مع فرض حظر للتجوال في تمام الساعة الثالثة عصراً، حيث أفادت التقارير الميدانية بسقوط ما لا يقل عن 10 قذائف في محيط حي الأشرفية، تزامنًا مع اشتداد القصف المتبادل بين الطرفين.
وقد أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري صراحةً أن كافة المواقع العسكرية التابعة لـ "قسد" داخل هذه الأحياء تعتبر "أهدافاً عسكرية مشروعة"، مبررة ذلك بما وصفته بـ "التصعيد الكبير" وارتكاب تجاوزات بحق المدنيين في المدينة.
حركة نزوح واسعة وتأمين للمدنيين
في ظل هذه الأجواء المشحونة، أكد الجيش السوري أنه لم يبدأ بعد أي عمليات تقدم بري فعلي، بل يركز حالياً على تأمين ممرات لخروج الأهالي. وتشير المصادر الميدانية إلى استجابة واسعة من السكان، حيث:
- غادر نحو 80% من سكان الحيين منازلهم باتجاه مناطق أكثر أمناً.
- رُصدت موجات نزوح كبيرة باتجاه حي السريان.
- تمكن الدفاع المدني من إجلاء 850 مدنياً من منطقتي "العوارض" و"شارع الزهور".
على الجانب الآخر، أعلنت وزارة الداخلية السورية إصابة 3 من عناصر الأمن أثناء تأمين خروج المدنيين، نتيجة قصف مدفعي استهدف دوار شيحان، متهمة "قسد" باستخدام الرصاص الحي وتفخيخ الطرق لمنع الأهالي من المغادرة.
رواية "قسد": نفي التواجد وتحذير من العواقب
في مقابل الرواية الرسمية، أصدرت قوات سوريا الديمقراطية بياناً نفت فيه وجود أي قوات عسكرية تابعة لها داخل حلب، مؤكدة أنها سلمت الملف الأمني لـ "قوى الأمن الداخلي" (الأسايش) بشكل رسمي.
وحذرت "قسد" من تداعيات استمرار الضغط العسكري، مشيرة إلى:
- رصد حشود عسكرية تضم نحو 80 آلية تابعة للحكومة السورية بمحيط المنطقة.
- اعتبار هذه التحركات مؤشراً ينذر بـ "حرب واسعة" قد تتجاوز حدود حلب.
- نفي الأنباء التي تحدثت عن وجود أي اتفاق تهدئة في الوقت الراهن.
فاتورة الصراع: ضحايا مدنيون وشلل في الملاحة
لم يقتصر أثر التصعيد على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليشمل البنية التحتية والحياة اليومية:
- صحياً: أعلنت مديرية صحة حلب عن مقتل 4 مدنيين وإصابة 18 آخرين نتيجة القصف الذي طال الأحياء السكنية.
- ملاحياً: أعلنت الهيئة العامة للطيران المدني تعليق الرحلات في مطار حلب الدولي لمدة 24 ساعة، مع تحويل المسارات إلى مطار دمشق، وهو ما أثر بشكل مباشر على رحلات شركة "الملكية الأردنية".
قراءة إستراتيجية: هل اقتربت ساعة الحسم؟
يرى خبراء أمنيون أن حلب تمر بـ "ساعات حاسمة". ووفقاً لمصادر حكومية، فإن الجيش يستعد لعملية عسكرية "محدودة" تهدف إلى إنهاء تواجد المجموعات المسلحة التي تسببت خلال الشهر الماضي بمقتل أكثر من 20 مدنياً و25 جندياً سورياً.
ويشير المحللون إلى أن هذا التحرك يأتي رداً على محاولات تقويض التفاهمات السياسية السابقة (اتفاق مارس 2025)، حيث تسعى الدولة السورية لاستعادة السيطرة الكاملة على العاصمة الاقتصادية للبلاد وتأمين بنيتها التحتية من أي تهديدات مستقبلية، مع بقاء خيار الحسم العسكري مطروحاً بقوة في حال فشل الضغوط السياسية.


اترك تعليقاً