مقدمة: ما وراء النفط والغاز في الجغرافيا الإيرانية
لطالما ارتبط اسم إيران في الأسواق العالمية بموارد الطاقة التقليدية، إلا أن المشهد الاقتصادي والجيولوجي للبلاد يخفي أبعاداً أكثر عمقاً وتنوعاً. فإلى جانب كونها عملاقاً في قطاع الهيدروكربونات، تمتلك إيران قاعدة معدنية صلبة تمتد عبر أحزمة جيولوجية معقدة، مما يجعل الثروات الطبيعية في إيران تتجاوز مجرد آبار النفط لتشمل آلاف المناجم النشطة التي تضخ خامات استراتيجية مثل الحديد، النحاس، الذهب، وصولاً إلى اليورانيوم والمعادن الصناعية.
إيران كقوة طاقوية عالمية: احتياطيات النفط والغاز
وفقاً لتقرير “مذكرة تحليل دولة: إيران” الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في أكتوبر 2024، تواصل طهران تثبيت مكانتها كواحدة من أغنى دول العالم بالموارد الطاقوية. تشير التقديرات لعام 2023 إلى أن إيران احتلت المرتبة الثالثة عالمياً كأكبر مالك لاحتياطيات النفط، والثانية عالمياً في احتياطيات الغاز الطبيعي.
تتركز الحقول النفطية الكبرى في الجنوب الغربي، وتحديداً في محافظة خوزستان وعلى طول حزام زاغروس الجيولوجي. أما في قطاع الغاز، فيبرز حقل “جنوب بارس” البحري -المشترك مع قطر- كأضخم مكمن للغاز في البلاد وأحد أكبر الحقول على مستوى العالم. وقد شهدت الفترة بين عامي 2020 و2023 طفرة في إنتاج السوائل البترولية، حيث ظلت الصادرات مصدراً حيوياً للسيولة النقدية، مع استحواذ الصين على الحصة الأكبر من الشحنات الإيرانية.
قطاع التعدين: 6 آلاف منجم ترسم مستقبل الاقتصاد
لا تتوقف الثروات الطبيعية في إيران عند حدود الطاقة؛ إذ كشف الكتاب السنوي للمعادن لعام 2022 الصادر عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أن إيران تنتج أكثر من 60 نوعاً من السلع المعدنية. وتتوزع هذه الثروات على نحو 6,025 منجماً نشطاً، تدار معظم الشركات الكبرى فيها عبر المنظمة الإيرانية لتطوير وتجديد صناعات المناجم والتعدين (إيميدرو).
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن “إيميدرو” إلى أن حجم الاحتياطيات المعدنية المثبتة في البلاد يصل إلى نحو 37 مليار طن، بينما تتجاوز الاحتياطيات المحتملة حاجز الـ 57 مليار طن، مما يضع إيران على خارطة القوى التعدينية الصاعدة في آسيا.
الحديد والنحاس: العمود الفقري للصناعات الثقيلة
يعد خام الحديد من أبرز ركائز الثروات الطبيعية في إيران، حيث قُدرت الاحتياطيات بنحو 3.3 مليار طن بنهاية عام 2022. وتعتبر إيران من بين كبار المنتجين العالميين للحديد المختزل مباشرة (DRI)، وهو عنصر أساسي في صناعة الصلب. وتتصدر مناطق مثل “غول غوهَر” في كرمان، و”تشادُرملو” و”سنغان” قائمة المراكز الإنتاجية الكبرى التي ترفد السوق بعشرات الملايين من الأطنان سنوياً.
أما في قطاع النحاس، فقد قفزت الاحتياطيات إلى 19.2 مليار طن متري في عام 2022 بفضل اكتشافات جديدة مثل مكمن “سِريدون” في محافظة كرمان. وتركز الإنتاج، الذي بلغ 322 ألف طن من مركزات النحاس، في مجمعات صناعية ضخمة مثل “سرجشمه” و”سونغون” و”ميدوك”.
المعادن الثمينة والاستراتيجية: الذهب واليورانيوم
تخطو إيران خطوات ثابتة في تعزيز إنتاجها من المعدن الأصفر، حيث استقر إنتاج الذهب عند نحو 7,000 كيلوغرام سنوياً، مع بروز منجم “زرّشوران” في محافظة أذربيجان الغربية كمنتج رئيسي. وفي تطور لافت، أعلنت وزارة الصناعة الإيرانية في أواخر عام 2025 عن التحقق من احتياطيات ضخمة جديدة في منجم “شادان” بمحافظة خراسان الجنوبية، تضم ملايين الأطنان من خام الذهب المؤكسد والكبريتي.
وعلى صعيد المعادن الاستراتيجية، تبرز احتياطيات الرصاص والزنك في مناجم مثل “أنغوران” و”مهدیآباد”، حيث يمتلك الأخير وحده نحو 170 مليون طن من الخام. كما لم يغفل تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية الإشارة إلى الإنتاج المنجمي لليورانيوم، المرتبط بالبنية التحتية لدورة الوقود النووي في البلاد.
المعادن الصناعية: حضور عالمي لافت
تكتمل لوحة الثروات الطبيعية في إيران بالمعادن الصناعية، حيث تصنف البلاد ضمن كبار المنتجين العالميين للجبس، البنتونيت، الفلدسبار، والسترونشيوم. ويؤدي معدن “الباريت” دوراً مزدوجاً، حيث يُستخدم بكثافة في سوائل الحفر المرتبطة بصناعة النفط والغاز، مما يخلق تكاملاً بين قطاعي التعدين والطاقة في الاقتصاد الإيراني.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً