سقوط الأقنعة: كيف تآمرت النخب العالمية لتلميع صورة جيفري إبستين؟
كشف تقرير استقصائي حديث نشرته صحيفة وول ستريت جورنال عن تفاصيل صادمة حول شبكة العلاقات المعقدة التي أحاطت بالملياردير الراحل جيفري إبستين. الوثائق والرسائل الإلكترونية المُفرج عنها مؤخراً تثبت أن إدانة إبستين بجرائم جنسية لم تكن كافية لقطع صلاته بأصحاب النفوذ، بل على العكس، تلقى دعماً استراتيجياً ومعنوياً من شخصيات أكاديمية وسياسية مرموقة.
زيف السردية السائدة
لسنوات طويلة، حاول معارف إبستين الترويج لرواية مفادها أنهم قطعوا صلتهم به فور علمهم بجرائمه، أو أنهم لم يكونوا على دراية بمدى فظاعة أفعاله. إلا أن المراسلات المسربة من مكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) تقوض هذه الادعاءات بالكامل، وتُظهر أن قنوات التواصل ظلت مفتوحة، بل وشهدت تبادلاً لنصائح تهدف إلى إعادة تأهيل سمعته العامة.
مفكرون وسياسيون في خندق واحد
برز اسم المفكر اللغوي الشهير نعوم تشومسكي كأحد أبرز المفاجآت في هذه الوثائق. ففي عام 2019، وبينما كانت الاتهامات تحاصر إبستين، نصحه تشومسكي بالتزام الصمت لتجنب "الهجمات المسمومة"، واصفاً الجدل حول الاعتداءات الجنسية بأنه وصل إلى مرحلة "الهستيريا".
ولم يقتصر الأمر على تشومسكي، بل شملت القائمة أسماء ثقيلة أخرى:
- ستانلي بوتينغر: المسؤول السابق بوزارة العدل الأمريكية، الذي انتقد الشرطة وصوّر إبستين كضحية.
- بيتر ماندلسون: مفوض الاتحاد الأوروبي السابق، الذي حث إبستين على السعي للإفراج المبكر وأظهر تعاطفاً كبيراً معه.
- ستيفن كوسلين: رئيس قسم علم النفس السابق في جامعة هارفارد، الذي ساعد في صياغة رسائل إعلامية لتحسين صورة إبستين.
الدعم الملكي والمالي: "نحن في هذا معاً"
تؤكد الوثائق أن الدعم لم يكن مجرد نصائح عابرة، بل وصل إلى مستويات عليا في السلطة والمال. الرسالة الشهيرة من الأمير أندرو، دوق يورك، التي قال فيها لإبستين: "نحن في هذا معاً"، تعكس عمق التحالف رغم الضغوط القانونية والاتهامات المباشرة من الضحايا.
في القطاع المصرفي، استمر جيس ستالي (المسؤول السابق في جيه بي مورغان) في تبادل رسائل ودية مع إبستين حتى أثناء فترة سجنه، مما يبرز كيف تعاملت النخب المالية مع الجرائم الأخلاقية بوصفها مجرد "أزمة علاقات عامة".
صناعة "البروباغندا" وتهميش الضحايا
تُظهر الرسائل استراتيجية ممنهجة شارك فيها مستشارون قانونيون وإعلاميون، مثل ستيف بانون والصحفي مايكل وولف، لإعادة السيطرة على السردية العامة. تضمنت هذه الخطط:
- مهاجمة الضحايا: التشكيك في دوافع الفتيات القاصرات ووصفهن بلهجة تقليلية.
- تزييف المبادرات: اقتراح مشاريع خيرية وهمية لغسل السمعة.
- استغلال الأسماء الكبيرة: اقتراح استخدام شهادات إيجابية من شخصيات مثل بيل غيتس لتصوير الجرائم كـ "زلة قديمة".
الخلاصة: أزمة أخلاقية أم أزمة سمعة؟
إن ما تكشفه وثائق جيفري إبستين ليس مجرد تفاصيل جنائية، بل هو تعرية لنظام عالمي تتعامل فيه النخبة مع الجرائم الجسيمة كعقبات إدارية يمكن تجاوزها بالمال والنفوذ. في هذه المراسلات الممتدة لآلاف الصفحات، غاب صوت الضحايا تماماً، وحضر بدلاً منه هوس "البروفايل المتعاطف" والحفاظ على مكانة "المفترس" في دوائر الضوء.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً