تفاصيل القضية التي هزت الصالونات السياسية في لبنان
في قصة تبدو وكأنها مستوحاة من أفلام الإثارة والغموض، استيقظ الرأي العام اللبناني على تفاصيل فضيحة من العيار الثقيل، بطلها شخص عُرف بلقب «أبو عمر»، نجح في خداع نخبة من السياسيين ورجال الأعمال عبر تقمص شخصية «أمير سعودي نافذ». لم تكن الخدعة مجرد ادعاء عابر، بل تحولت إلى قضية احتيال معقدة وضعت النظام السياسي والأمني في لبنان أمام تساؤلات محرجة حول سهولة اختراق الدوائر الضيقة لصناع القرار.
بدأت خيوط الحكاية تتسرب من الغرف المغلقة إلى العلن في أواخر ديسمبر الماضي، حين تداولت أوساط سياسية أنباءً عن اتصالات هاتفية «سيادية» ترد من أرقام دولية. المتحدث على الطرف الآخر كان يمتلك نبرة واثقة ولهجة سعودية متقنة، مدعياً أنه يمثل «الديوان الملكي السعودي»، وينقل توجهات المملكة الرسمية بشأن ملفات حساسة تشمل انتخابات رئاسة الجمهورية وتسمية رؤساء الحكومات، وصولاً إلى التعيينات الأمنية الحساسة.
الفراغ السياسي: البيئة الخصبة لخطة «أبو عمر»
لم يكن اختيار التوقيت عشوائياً، فمنذ عام 2018، شهدت العلاقة اللبنانية السعودية تحولات جذرية، تزامنت مع تراجع الانخراط المباشر للرياض في التفاصيل اللبنانية، خاصة بعد اعتزال الرئيس سعد الحريري العمل السياسي. هذا الفراغ في قنوات التواصل الرسمية خلق حالة من الارتباك لدى القوى السياسية، التي باتت تتلقف أي إشارة، حتى لو كانت «وهمية»، لمحاولة فهم الموقف السعودي غير المعلن.
في هذه البيئة المشحونة بالترقب، برز «أبو عمر» (مصطفى الحسيان) كقناة خلفية مزعومة. اعتمد الرجل استراتيجية ذكية تقوم على الغياب التام عن الأنظار والاكتفاء بالاتصالات الهاتفية، موهماً ضحاياه بأن طبيعة دوره «السري» تمنعه من اللقاءات العلنية، وهو ما أضفى صبغة من المصداقية لدى سياسيين اعتادوا على الدبلوماسية الموازية.
سقوط القناع: خطأ تقني كشف المستور
وفقاً للتحقيقات القضائية التي تقودها القاضية رولا عثمان، فإن سقوط «الأمير السعودي المزيف» لم يكن نتيجة جهد استخباراتي استباقي، بل بسبب خطأ بشري ساذج. القصة بدأت تتكشف مع رجل أعمال شمالي كان يطمح للترشح للانتخابات النيابية، حيث تم إقناعه بأن «أبو عمر» هو مفتاح الرضا السعودي عليه.
وتشير الرواية إلى أن الحسيان كان يستخدم هويتين: الأولى «أبو عمر» بلهجة سعودية ورقم بريطاني، والثانية هويته الحقيقية كشخص لبناني يعمل في «حدادة السيارات» ويتولى تنسيق المساعدات على الأرض. وخلال اجتماع فيديو، أخطأ الحسيان في استخدام الهاتف المرتبط بالرقم البريطاني أمام رجل الأعمال، مما كشف أن الشخصيتين هما فرد واحد، لتنتهي الرحلة بمواجهة عنيفة واحتجاز الحسيان قبل تسليمه للسلطات.
تورط رجال دين ومسار قضائي معقد
لم تتوقف القضية عند حدود الحسيان، بل امتدت لتشمل أسماءً وازنة، على رأسها القاضي الشرعي الشيخ خلدون عريمط. وبحسب ادعاءات الدفاع، فإن عريمط كان «العقل المدبر» الذي استغل مهارات الحسيان في تقليد اللهجات لابتزاز السياسيين وجمع تبرعات مالية ضخمة تحت غطاء جمعيات خيرية. وفي 20 يناير 2026، أصدر القضاء مذكرتي توقيف بحق الحسيان وعريمط بتهم تشمل «انتحال صفة، الابتزاز، والإساءة لعلاقات لبنان الخارجية».
من جانبه، ينفي وكيل الدفاع عن الشيخ عريمط كل التهم، مؤكداً عدم وجود أدلة دامغة أو ادعاء شخصي من السياسيين المتضررين حتى الآن. ومع استمرار التحقيقات، يظل الملف مفتوحاً على احتمالات وجود شبكة أوسع، في قضية ستبقى طويلاً في ذاكرة اللبنانيين كأكبر عملية «تضليل سياسي» في تاريخ البلاد الحديث.
المصدر: BBC Arabic



اترك تعليقاً