استراتيجية الخنق الشامل: كيف تقرأ إسرائيل خريطة البرنامج النووي الإيراني؟
لا تنظر الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية في إسرائيل إلى البرنامج النووي الإيراني كمنشآت معزولة، بل تتعامل معه كـ "كائن حي" مترابط عبر ما يُعرف بـ دورة الوقود النووي. هذه الرؤية الشاملة هي التي تفسر نمط العمليات الإسرائيلية التي تستهدف مفاصل محددة في سلسلة الإمداد التقني، بهدف إحداث شلل كامل وليس مجرد ضرر موضعي.
رحلة اليورانيوم: من التعدين إلى الكعكة الصفراء
تبدأ الحكاية من باطن الأرض، حيث تضع إسرائيل أعينها على مراحل المعالجة الأولية. في محافظة يزد، وتحديداً في منطقة أردكان، يتم تحويل خام اليورانيوم الطبيعي إلى مسحوق يُعرف بـ "الكعكة الصفراء".
تعتبر هذه المرحلة حجر الزاوية، فبدون هذا المسحوق الكثيف، لا يمكن للبرنامج الانتقال إلى المراحل الأكثر تعقيداً. لذا، فإن مراقبة واستهداف سلاسل التوريد في هذه المرحلة تهدف إلى تجفيف المنبع قبل أن يصل إلى المفاعلات.
مجمع أصفهان: عنق الزجاجة الكيميائي
بمجرد إنتاج الكعكة الصفراء، تُنقل إلى مجمع أصفهان، وهو الموقع الذي يمثل "عنق الزجاجة" في البرنامج النووي الإيراني. هنا تحدث عملية التحويل الكيميائي الحاسمة:
- تحويل اليورانيوم من الحالة الصلبة إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم.
- هذا الغاز هو المادة الوحيدة التي يمكن ضخها في أجهزة الطرد المركزي.
- استهداف منشآت التحويل يعني عملياً إيقاف قدرة إيران على تغذية أجهزة التخصيب.
التخصيب في نطنز وفوردو: صراع النظائر
تنتقل الدورة إلى المرحلة الأكثر حساسية في نطنز وفوردو. في هذه المنشآت المحصنة، تُستخدم أجهزة الطرد المركزي لفصل نظائر اليورانيوم-235 (العنصر الانشطاري) عن اليورانيوم-238.
تكمن الصعوبة التقنية في أن اليورانيوم-235 يتواجد بنسبة ضئيلة جداً (7 أجزاء من الألف)، مما يتطلب آلاف الدورات من الفصل الدقيق. تدرك إسرائيل أن تعطيل هذه الأجهزة أو تدمير برمجيات تشغيلها يمثل الضربة القاضية للطموحات النووية.
مسار البلوتونيوم: لغز الماء الثقيل في آراك
لا يقتصر القلق الإسرائيلي على تخصيب اليورانيوم فحسب، بل يمتد إلى "المسار البديل" وهو البلوتونيوم-239. وهنا يبرز دور مفاعل آراك الذي يعمل بالماء الثقيل.
لماذا يثير الماء الثقيل الرعب؟
- إبطاء النيوترونات: يسمح الماء الثقيل باستمرار التفاعل النووي بكفاءة عالية دون الحاجة لليورانيوم المخصب.
- إنتاج البلوتونيوم: يمكن تحويل اليورانيوم-238 (غير المفيد في التخصيب) إلى بلوتونيوم داخل المفاعل.
- الاستخدام العسكري: يعد البلوتونيوم مادة مثالية لتصنيع رؤوس نووية أصغر وأكثر فتكاً.
الخلاصة: استراتيجية تعطيل السلسلة
إن النمط الإسرائيلي في الاستهداف يعكس فهماً عميقاً لـ البرنامج النووي الإيراني كمنظومة متكاملة. فبدلاً من التركيز على المفاعلات النهائية فقط، تسعى إسرائيل إلى ضرب "الحلقات الضعيفة" في دورة الوقود:
- منع التحويل الغازي في أصفهان.
- تخريب أجهزة الطرد في نطنز.
- إغلاق مسار البلوتونيوم في آراك.
بهذا الأسلوب، تهدف إسرائيل إلى إطالة أمد "زمن الاختراق" النووي الإيراني، وجعل تكلفة الاستمرار في البرنامج باهظة تقنياً وعسكرياً.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً