خريف العزلة.. حين تضيق الأرض بما رحبت على دونالد ترامب
هل يمكن للقوة العاتية أن تنقلب على صاحبها فتصبح قيداً يدمي معصميه؟ في أروقة السياسة الدولية المعاصرة، يبدو أن عام 2026 قد خطّ فصلاً جديداً في سيرة دونالد ترامب، ليس كصانع للعهود، بل كزعيم يواجه رياح العزلة بعد أن تهاوت حصونه الواحد تلو الآخر. إن المشهد الراهن يشير إلى تحول دراماتيكي؛ حيث تحول "الحليف القوي" الذي كان يزلزل عروش التقليدية السياسية إلى عبء ثقيل يحاول أقرب المقربين منه التخفف من أحماله.
الزلزال الكاثوليكي: حين تصطدم السياسة بالمقدس
ارتكب دونالد ترامب ما يصفه المحللون بـ "الخطيئة الكبرى"، وهي الصدام المباشر مع الوجدان الروحي لملايين البشر. عبر منصته "تروث سوشيال"، أطلق سهام نقده نحو البابا ليو الرابع عشر، واصفاً إياه بـ "الضعف" و"الفشل"، وهو ما فجر بركاناً من الغضب داخل البيت الأمريكي وخارجه. هذا الصدام لم يكن مجرد تراشق لفظي، بل هو مقامرة بكتلة تصويتية حرجة.
تتجلى خطورة هذا الصدام في الأرقام التالية:
- 53 مليون ناخب كاثوليكي في الولايات المتحدة يمثلون بوصلة أخلاقية وسياسية لا يستهان بها.
- 62% من الكاثوليك البيض منحوا أصواتهم لترامب في عام 2024، وهم اليوم يشكلون نواة الانتفاضة ضده.
- خمس الناخبين الأمريكيين ينتمون لهذه الكتلة التي بدأت تشعر باغتراب حقيقي تجاه لغة الحرب والتصعيد.
لقد أعلن أساقفة بارزون، أمثال روبرت بارون وجوزيف ستريكلاند، أن الاعتذار بات ديناً في عنق الرئيس، معتبرين أن لغة التصعيد ضد إيران تفتقر إلى المظلة الأخلاقية، مما وضع الحزب الجمهوري في مأزق وجودي قبيل انتخابات التجديد النصفي.
الطلاق الإيطالي: نهاية "الارتباط السام"
وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، شهدت العلاقة بين واشنطن وروما انكساراً لم يكن يتوقعه أشد المتشائمين. جورجا ميلوني، التي كانت تُلقب بـ "عرابة ترامب في أوروبا"، اختارت النأي بنفسها عن هذا التحالف الذي بات يوصف بـ "العلاقة السامة".
يرى المراقبون أن ميلوني، بذكائها السياسي الفطري، أدركت أن كلفة القرب من ترامب صارت باهظة جداً، خاصة بعد صدامه مع الحبر الأعظم وتصعيده العسكري في الشرق الأوسط. لقد كان رد ترامب عليها بأنها هي "التي أصبحت غير مقبولة" بمثابة المسمار الأخير في نعش هذا التحالف، لتبدأ إيطاليا رحلة العودة نحو التوازن الأوروبي التقليدي، هاربة من تبعات سياسة أمريكية يراها الكثيرون متهورة وغير محسوبة.
تفكك المحور الشعبوي: سقوط أحجار الدومينو
لم تتوقف الخسارات عند حدود روما، بل امتدت لتضرب عمق أوروبا الوسطى. إن سقوط فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية كان بمثابة نزع لـ "حجر الزاوية" الذي كان ترامب يستخدمه لتعطيل قرارات الاتحاد الأوروبي. ورغم الدعم المباشر وزيارة نائب الرئيس جيه دي فانس لبودابست، إلا أن إرادة التغيير لدى الناخب المجري كانت أقوى من محاولات التثبيت الخارجية.
ملامح التفكك الجيوسياسي:
- فقدان المركز المرجعي: لم يعد ترامب يمثل القطب الجاذب للتيارات اليمينية العالمية.
- الإدانة الأخلاقية: خطاب البابا ليو الرابع عشر في أفريقيا ضد التلاعب بالدين لأغراض عسكرية منح غطاءً روحياً لمعارضي ترامب.
- الفشل الدبلوماسي: إدارة الملف الإيراني بطريقة صدامية أدت إلى نفور القوى التي كانت ترى في ترامب منقذاً في السابق.
خاتمة: حين تصمت طبول الحرب
إن المتأمل في حال دونالد ترامب اليوم يدرك أن القوة التي لا تضبطها الحكمة، والتحالفات التي لا تقوم على الاحترام المتبادل، هي بناء من رمال تذروه الرياح. لقد تحول الزعيم الذي ملأ الدنيا وشغل الناس إلى شخصية تواجه عزلة اختيارية فرضها هو على نفسه بصدامه مع الثوابت الروحية والسياسية. إن التاريخ يعلمنا أن القادة الذين يوحدون خصومهم ضدهم، غالباً ما يكتبون بأيديهم فصول نهايتهم السياسية. لقد غدا ترامب عبئاً يتسابق الحلفاء للتخلص منه، في مشهد يجسد ذروة المأساة السياسية حين يغيب العقل وتحضر الأنا المتضخمة.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً