خطاب ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن: هل انتهى ‘الشرخ الكبير’ مع أوروبا؟

خطاب ماركو روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن: هل انتهى ‘الشرخ الكبير’ مع أوروبا؟

مؤتمر ميونخ للأمن: قراءة في خطاب ماركو روبيو ومستقبل التحالف الغربي

يُعد مؤتمر ميونخ للأمن منصة دولية استثنائية، يترقبها خبراء الدراسات الإستراتيجية لرصد نبض العلاقات الدولية والتوجهات الجيوسياسية الكبرى. تاريخياً، شهد هذا المؤتمر تحولات مفصلية، من خطاب بوتين الشهير في 2007 الذي أنذر بحرب باردة جديدة، وصولاً إلى انتقادات «جيه دي فانس» اللاذعة لأوروبا في العام الماضي.

تصدع الثقة: من ترامب إلى ماكرون

شهدت العلاقات الأمريكية الأوروبية حالة من «النشوز السياسي» بدأت مع تقريع دونالد ترامب للرئيس الأوكراني في البيت الأبيض، وتزايدت الفجوة في منتدى دافوس الأخير. دعوات إيمانويل ماكرون لـ «أوروبا قوية» لا تعتمد على المظلة الأمريكية، وتصريحات المستشار الألماني حول الشرخ المتزايد، كلها عوامل عززت التوقعات بأن مؤتمر ميونخ هذا العام سيشهد تكريساً لهذا الانفصال.

مفاجأة ماركو روبيو: خطاب «عيد الحب» السياسي

خلافاً للتوقعات، جاء خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في يوم عيد الحب ليقدم نبرة مغايرة تماماً. اتسم الخطاب بكونه مرافعة فلسفية وأكاديمية أكثر من كونه عرضاً سياسياً جافاً، حيث ركز على النقاط التالية:

  • الجذور الحضارية المشتركة: التأكيد على أن أمريكا هي «ابنة أوروبا» شرعياً وثقافياً.
  • القيم المشتركة: التركيز على سيادة القانون، الحرية، وفورة العلم والجامعات.
  • نقد العولمة: اعتبر روبيو أن العولمة أضرت بالغرب، وأضعفت صناعاته، وهددت نسيجه الاجتماعي عبر الهجرة غير المنضبطة.

التبعية بـ «نبرة ناعمة»

رغم الطمأنة التي حملها الخطاب، لم يغتر المراقبون كثيراً. فخطاب روبيو، وإن بدا ودوداً، فإنه يحمل في طياته رسالة مفادها أن الولايات المتحدة هي قائدة الركب بلا منازع، وأن دور أوروبا يقتصر على «الولاء السعيد».

هذا التوزيع للأدوار بين الخارجية الأمريكية (الناعمة) والبنتاغون (الصلب) يثير ريبة الأوروبيين، خاصة وأن ميزانية الدفاع وأولويات الأمن القومي الأمريكي لا تضع أوروبا في مقدمة اهتماماتها كما في السابق.

البعد الداخلي والهوية في خطاب روبيو

يحمل فكر روبيو ملامح أمريكا «البيضاء والمسيحية»، متجاهلاً التنوع العرقي الضخم داخل الولايات المتحدة. ويمكن تلخيص المآخذ على رؤيته في نقاط:

  1. إقصاء التنوع: غياب أي إشارة للأمريكيين من أصول أفريقية أو لاتينية (رغم أصوله هو شخصياً).
  2. التوجه اليميني: يتقاطع روبيو مع اليمين المتطرف الأوروبي في قضية الهوية والهجرة.
  3. الطموح الرئاسي: يُنظر للخطاب كتمهيد لمرحلة ما بعد ترامب، ومحاولة لحجز مقعد في السباق نحو البيت الأبيض.

الخلاصة: تهدئة مؤقتة أم انفصال حتمي؟

لا يمكن لخطاب واحد، مهما بلغت بلاغته، أن يرمم «رأس مال الثقة» الذي تضرر بين ضفتي الأطلسي. الحقيقة الجلية هي أن الغرب لم يعد كتلة واحدة؛ فأوروبا تعيش أزمة وجودية، والولايات المتحدة تعيد تعريف أولوياتها.

يبقى خطاب روبيو في مؤتمر ميونخ للأمن بمثابة «تصور مع وقف التنفيذ»، بانتظار خطاب حالة الوحدة الذي سيلقيه الرئيس الأمريكي، والقرارات الفعلية تجاه ملفات ساخنة مثل إيران وأوكرانيا، لتبين الخيط الأبيض من الأسود في مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *