مقدمة: النداء الإلهي والتقوى المنجية
أما بعد، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -عز وجل-، فهي الحصن الحصين والدرع المتين في الدنيا والآخرة. يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29]. إن التقوى ليست مجرد كلمات تقال، بل هي عمل وامتثال، وخضوع لرب الأرض والسماوات، ومن أعظم تجليات هذه التقوى المحافظة على ما افترضه الله علينا من شعائر، وعلى رأسها صلاة الفجر.
المشهد المحزن في بيوت الله
أيها المسلمون، إن من المواقف اليومية المحزنة التي تدمي القلب وتكدر الخاطر في زماننا هذا، ما نراه في مساجدنا عند نداء “الصلاة خير من النوم”. إنها ظاهرة تنذر بالخطر وتستوجب الوقوف طويلاً للمحاسبة؛ حيث نرى نقصاً شديداً في المصلين، وقلة واضحة في أعداد الراكعين والساجدين في صلاة الفجر خاصة. أين أولئك الأصحاء القادرون؟ أين الآمنون في أسرابهم؟ أين من لا يحبسهم حابس ولا يمنعهم عذر شرعي؟
كم يصيب المؤمن المحب لإخوانه من حزن وأسف وهو يرى هذه الصفوف الخالية، وكم يتملكه الخوف مما ينتظر هؤلاء المتخلفين، وما ينتظر المجتمع بأسره لو بقيت الحال على ما هي عليه من تفريط في جنبات بيوت الله. أين تلك الصفوف التي تزدحم بها المساجد في سائر الصلوات؟ وأين الرجال الذين نعهدهم في بقية الأوقات؟ أليس الله -تعالى- هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم؟ فكيف لا تستحيي جموع المسلمين منه، تنام عن أحب الأعمال إليه، ثم هي بعد ساعة أو أقل، تضيق بها الشوارع وتكتظ بها الطرق، وتمتلئ الدنيا بها ضجيجاً وهي منطلقة في دنياها، متسابقة إلى أعمالها، تطلب من الله الرزق وترجوه أن يوسع لها العطاء، وهي قد ضيعت أول فريضة في يومها؟
انتكاسة الهمم وتفريط الكهول
لقد كان التثاقل عن صلاة الفجر والتساهل في أدائها مع الجماعة يُعرف قديماً بين قلة من الشباب الذين غلبتهم أهواؤهم، أما في زماننا هذا، فقد صار الأمر يتجاوزهم إلى من تجاوزوا الثلاثين، بل إلى كهول وشيوخ تجاوزوا الأربعين والخمسين! فيا له من تراجع ما أشنعه، ويا لها من انتكاسة ما أسوأها!
> فَمَا أَقبَحَ التَّفرِيطَ في زَمَنِ الصِّبَا … فَكَيفَ بِهِ وَالشَّيبُ لِلرَّأسِ شَاعِلُ
أجل أيها المؤمنون، ما أقبح التفريط ممن شاب رأسه وذهبت سنوات عمره. كان الأجدر به أن يكون قد اكتمل عقله وزكا رأيه، وعرف ما ينفعه ويرفعه مما يهبطه ويسقطه. كان الأولى به أن يرق قلبه كما رق عظمه، فإذا به ما زال يتلفت يمنة ويسرة، غافلاً عن طريق نجاته في قبره، مفرطاً في أهم أسباب فوزه يوم حشره. إنها صلاة مفروضة، وجماعة واجبة، وقرآن مشهود، وشرف عظيم تضيع بين ثنايا النوم والكسل.
فضائل صلاة الفجر في السنة النبوية
لقد جاءت نصوص الوحيين لترفع من شأن هذه الصلاة وتبين عظيم فضلها، فمن ذلك:
1. عهد الله بالمغفرة: قال صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وخشوعهن، كان له على الله عهد أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد، إن شاء غفر له وإن شاء عذبه».
2. دخول الجنة: قال عليه الصلاة والسلام: «من صلى البردين دخل الجنة» (والبردان هما الفجر والعصر).
3. في ذمة الله وحفظه: قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم».
4. شهادة الملائكة: قال صلى الله عليه وسلم: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون».
5. أجر قيام ليلة كاملة: قال صلى الله عليه وسلم: «من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله».
6. النور التام يوم القيامة: قال صلى الله عليه وسلم: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة».
الوعيد الشديد والمصير المخيف
أيها المسلمون، إن النصوص لم تكتفِ بذكر الفضائل، بل حذرت أشد التحذير من التخلف عن هذه الفريضة. فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم التثاقل عنها بأنه من صفات المنافقين، فقال: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار».
وفي حديث الرؤيا العظيم، وصف النبي صلى الله عليه وسلم مشهداً مرعباً لمن ينام عن الصلاة المكتوبة، حيث رأى رجلاً مضطجعاً وآخر قائماً عليه بصخرة، يهوي بها على رأسه فيثلغ رأسه (أي يشدخه)، فيتدهده الحجر، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيعود إليه فيفعل به مثل ذلك. وعندما سأل عن السبب، قيل له: «أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، وينام عن الصلاة المكتوبة».
ماذا بقي بعد هذه النصوص العظيمة التي صح بها النقل عمن لا ينطق عن الهوى؟ لم يبقَ والله إلا مؤمن قد ملأ اليقين قلبه، فهو بين خوف مما وُعد به تاركو صلاة الفجر من العذاب الطويل في القبر والشقاء المستمر بعد الحشر، ورجاء لما عند الله من النعيم المقيم. وإلا فهو منافق لا يزداد إلا ضيقاً وحرجاً، يبقى مخذولاً مبعداً، تمر به الأيام وعمره في نقص وذنبه في زيادة، حتى يغادر الدنيا بغتة وقد أحاطت به خطايا.
نداء للتوبة والاستقامة
ألا فلنطق الله أيها المسلمون. من كان محافظاً على صلاة الفجر فليحمد الله على هذه النعمة التي هي أكبر النعم، ومن كان هاجراً للمسجد، أو يحضر يوماً ويغيب أياماً، فليسارع بالتوبة الصادقة قبل أن يفجأه هادم اللذات.
يقول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 78 – 80].
واتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن الله خبير بما تعملون. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 18].
ركعتا الفجر: خير من الدنيا وما فيها
بقي من أحاديث صلاة الفجر حديث عظيم، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسمعه موقناً به، ثم يهنأ بنوم أو يثقل رأسه على وسادة. قال صلى الله عليه وسلم: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها». هل ترون هذه الدنيا بقصورها، ودورها، ومراكبها، وأنهارها، وأموالها؟ إن سنة الفجر فقط خير منها جميعاً، فكيف بالفريضة؟!
ألا فليعلم كل نائم عن صلاة الفجر أنه آثر الدنيا الفانية على الآخرة الباقية، وقدم هوى نفسه على أمر ربه. وهذا مرض خطير في القلب، يحتاج إلى علاج أشد من علاج أمراض الجسد. فكل مرض يؤدي إلى الموت أهون من مرض نهايته ضيق القبر وعذاب الآخرة.
استقيموا على طاعة الله، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، وتذكروا يوماً توضعون فيه في القبور فرادى، فلا ينير الظلمة إلا صالح العمل، والصلاة نور. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». فاجعلوا صلاتكم، وخصوصاً صلاة الفجر، هي بوابتكم إلى النور والنجاة.

اترك تعليقاً