دراسة حديثة: «الإفراط العرضي» في تناول الكحول يضاعف خطر تليف الكبد ثلاث مرات لدى مرضى الكبد الدهني الأيضي

دراسة حديثة: «الإفراط العرضي» في تناول الكحول يضاعف خطر تليف الكبد ثلاث مرات لدى مرضى الكبد الدهني الأيضي

مقدمة: إعادة تقييم أنماط استهلاك الكحول وعلاقتها بصحة الكبد

ساد طويلاً اعتقاد شائع بين الأوساط العامة، وربما الطبية أيضاً، مفاده أن الحفاظ على مستويات منخفضة من استهلاك الكحول خلال أيام الأسبوع يمنح الشخص «حصانة» تسمح له بالإفراط في تناوله خلال المناسبات أو في عطلات نهاية الأسبوع. غير أن دراسة جديدة صادرة عن معهد «كيك ميديسين» (Keck Medicine) التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا (USC)، ونُشرت في دورية Clinical Gastroenterology and Hepatology، تقوض هذا الاعتقاد وتكشف عن مخاطر جسيمة تكمن في «النمط» وليس فقط في «الكمية».

ركزت الدراسة على المصابين بداء الكبد الدهني المرتبط بالاختلال الأيضي (MASLD)، وهو الاضطراب الكبدي الأكثر شيوعاً عالمياً، حيث يصيب قرابة ثلث البالغين. وأظهرت النتائج أن ما يُعرف بـ «نوبات الإفراط في الشرب» (Episodic heavy drinking)، حتى لو تكررت لمرة واحدة فقط في الشهر، ترفع احتمالات الإصابة بتليف الكبد المتقدم بشكل دراماتيكي، مما يضع المرضى في مواجهة خطر الندوب الدائمة وفشل الكبد.

منهجية الدراسة: تحليل بيانات الصحة الوطنية الأمريكية

استند الفريق البحثي بقيادة الدكتور برايان لي، أخصائي زراعة الكبد وطبيب الكبد في معهد كيك، إلى بيانات ضخمة مستمدة من «المسح الوطني لفحص الصحة والتغذية» (NHANES)، وهو مسح صحي تمثيلي طويل الأمد لسكان الولايات المتحدة. شمل التحليل بيانات أكثر من 8,000 بالغ تم جمعها بين عامي 2017 و2023.

حدد الباحثون «الإفراط العرضي» بأنه تناول أربعة كؤوس أو أكثر في اليوم الواحد للنساء، وخمسة أو أكثر للرجال، لمرة واحدة على الأقل شهرياً. قام الفريق بمقارنة مجموعة من المصابين بداء (MASLD) الذين يتشاركون في العمر والجنس ومتوسط استهلاك الكحول الأسبوعي، مع تقسيمهم إلى فئتين: فئة تتبع نمط الإفراط العرضي، وفئة توزع نفس الكمية الإجمالية على فترات زمنية متباعدة. كانت الغاية من هذه المنهجية هي عزل تأثير «نمط الشرب» عن تأثير «الكمية الإجمالية»، وهو ما كشف عن فجوة كبيرة في النتائج الصحية بين الفئتين.

الأهمية العلمية: نمط الاستهلاك وتأثيره المباشر على التليف

تكمن الأهمية العلمية لهذا الاكتشاف في تغيير المعايير السريرية للتقييم. فوفقاً للدكتور لي، كان الأطباء يركزون تقليدياً على الكمية الإجمالية للكحول المستهلك أسبوعياً لتحديد المخاطر. لكن هذه الدراسة تثبت أن استهلاك كميات كبيرة في جلسة واحدة يتجاوز قدرة الكبد على المعالجة الكيميائية الحيوية، مما يؤدي إلى رد فعل التهابي حاد يتسبب في تلف الخلايا الكبدية وظهور الندوب (التليف).

وأظهرت النتائج أن المصابين بداء (MASLD) الذين يفرطون في الشرب لمرة واحدة شهرياً هم أكثر عرضة للإصابة بتليف الكبد المتقدم بثلاثة أضعاف مقارنة بأقرانهم الذين يستهلكون نفس الكمية الإجمالية بشكل موزّع. كما لفتت الدراسة إلى أن الشباب والرجال هم الفئات الأكثر ميلاً لاتباع هذا النمط السلوكي. ويُعزى هذا الخطر المتزايد إلى التفاعل التآزري السلبي؛ حيث أن الكبد المصاب أصلاً بالدهون بسبب السمنة أو السكري أو ارتفاع ضغط الدم يكون أكثر هشاشة وقابلية للتأثر بالسمية الحادة الناتجة عن الكحول.

الآثار المستقبلية والتوصيات السريرية

تشير الدراسة إلى ضرورة تحديث استراتيجيات الصحة العامة وبروتوكولات الفحص السريري. فمع تزايد حالات أمراض الكبد المرتبطة بالكحول بنسبة تزيد عن الضعف في العقدين الأخيرين، مدفوعة بارتفاع معدلات السمنة والسكري، أصبح من الضروري أن يوجه الأطباء أسئلة دقيقة للمرضى حول «أنماط» شربهم، وليس فقط «معدلاتهم».

في الختام، تشدد الدراسة على أن الوقاية من تليف الكبد تتطلب وعياً مجتمعياً بأن «الاعتدال الأسبوعي» لا يلغي الأضرار الناتجة عن «التجاوزات العرضية». وتمثل هذه النتائج دعوة صريحة لإعادة النظر في الإرشادات الغذائية والصحية، خاصة للملايين الذين يعيشون مع اضطرابات أيضية تجعل أكبادهم في حالة تأهب دائم للإصابة.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *