دراسة في «نايتشر» تكشف لغز الفصل بين محتوى الذاكرة وسياقها في الدماغ البشري

دراسة في «نايتشر» تكشف لغز الفصل بين محتوى الذاكرة وسياقها في الدماغ البشري

مقدمة: لغز الذاكرة البشرية وتحدي الربط

لكي تكون الذكريات مفيدة وذات معنى، لا بد للدماغ من ربط ما حدث (المحتوى) بالموقف الذي حدث فيه (السياق). لطالما ظل التساؤل حول كيفية تنفيذ الدماغ لهذه المهمة المعقدة لغزاً محيراً في علم الأعصاب. مؤخراً، نجح باحثون من جامعة بون في كشف النقاب عن هذه الآلية، حيث أظهرت نتائجهم المنشورة في دورية «نايتشر» (Nature) أن الدماغ البشري يعالج هاتين المعلومتين بشكل منفصل عبر مجموعتين متميزتين من العصبونات، ثم ينسق نشاطهما لتشكيل ذكريات كاملة، بدلاً من دمج المحتوى والسياق في خلايا واحدة.

يمتلك البشر قدرة مذهلة على التعرف على الشخص نفسه أو الكائن ذاته في مواقف متباينة تماماً؛ فعلى سبيل المثال، يمكنك بسهولة التمييز بين تناول العشاء مع صديق وبين حضور اجتماع عمل مع الشخص نفسه. يشير البروفيسور فلوريان مورمان، من مستشفى علم الصرع في جامعة بون، إلى أننا نعلم مسبقاً وجود خلايا متخصصة في مراكز الذاكرة العميقة تسمى «العصبونات المفاهيمية» (Concept Neurons)، وهي تستجيب لهذا الصديق بغض النظر عن البيئة التي يظهر فيها.

المنهجية: مراقبة النشاط العصبي في الوقت الحقيقي

للإجابة على سؤال كيفية ربط المحتوى المخزن بالسياق المحيط، قام الفريق البحثي بقيادة الدكتور مارسيل باوش بتسجيل الإشارات الكهربائية من عصبونات فردية لدى مرضى يعانون من صرع مقاوم للأدوية. كانت هؤلاء المرضى قد خضعوا بالفعل لزراعة أقطاب كهربائية في منطقة «الحصين» (Hippocampus) والمناطق المجاورة لها، وهي مناطق حيوية لتكوين الذاكرة، وذلك كجزء من تقييمهم السريري.

خلال التجربة، شارك المرضى في مهام حاسوبية تطوعية، حيث عُرضت عليهم أزواج من الصور وطُلب منهم الإجابة على أسئلة مختلفة حولها. على سبيل المثال، قد يُسألون عما إذا كان الكائن المعروض «أكبر حجماً» عند ظهور كلمة «أكبر؟» على الشاشة. سمحت هذه المنهجية للباحثين بمراقبة كيفية معالجة الدماغ للصورة نفسها تماماً في سياقات مهام مختلفة، مما أتاح فصلاً دقيقاً بين رؤية الصورة وفهم المهمة المطلوبة.

الاكتشاف: نظامان عصبيان متميزان للذاكرة

بعد فحص نشاط أكثر من 3,000 عصبون، حدد الباحثون مجموعتين منفصلتين إلى حد كبير:

  • عصبونات المحتوى: استجابت لصور محددة (مثل قطعة بسكويت) بغض النظر عن المهمة المطلوبة.
  • عصبونات السياق: استجابت لنوع السؤال المطروح (مثل «أكبر؟») بغض النظر عن الصورة المعروضة.

وعلى عكس النتائج المرصودة سابقاً في القوارض، حيث تدمج الخلايا الفردية كلا النوعين من المعلومات، وجد الباحثون أن عدداً قليلاً فقط من العصبونات في الدماغ البشري تعاملت مع الدورين معاً. وكان الاكتشاف المحوري هو أن هاتين المجموعتين المستقلتين قامتا بترميز المحتوى والسياق معاً وبشكل أكثر موثوقية عندما نجح المرضى في حل المهمة بشكل صحيح، مما يشير إلى أن التنسيق بينهما هو مفتاح دقة الذاكرة.

الأهمية العلمية: كيف يعيد الدماغ بناء الذكريات؟

مع تقدم التجربة، لاحظ الباحثون أن التفاعل بين هاتين المجموعتين أصبح أقوى؛ إذ بدأ نشاط عصبون «المحتوى» يتنبأ باستجابة عصبون «السياق» بعد بضع عشرات من الملي ثانية فقط. يعمل هذا التفاعل كنظام تحكم يضمن استعادة السياق ذي الصلة فقط أثناء عملية التذكر، وهي عملية تُعرف باسم «إكمال النمط» (Pattern Completion).

تسمح هذه الآلية للدماغ بإعادة بناء ذكرى كاملة حتى عندما يتوفر جزء فقط من المعلومات. ويوضح الدكتور باوش أن «توزيع المهام» هذا يفسر مرونة الذاكرة البشرية؛ فمن خلال تخزين المحتوى والسياق في «مكتبات عصبية» منفصلة، يمكن للدماغ إعادة استخدام المفهوم نفسه في مواقف لا حصر لها دون الحاجة إلى عصبونات متخصصة لكل مزيج محتمل من الأحداث. وهذا يمنحنا القدرة على التعميم مع الحفاظ على التفاصيل الدقيقة للأحداث الفردية.

الآفاق المستقبلية لأبحاث الذاكرة

رغم أن هذه الدراسة عرفت السياق من خلال الأسئلة المعروضة، إلا أن السياقات في العالم الحقيقي قد تكون سلبية أو بيئية، مثل المكان الذي نتواجد فيه. لذا، ستسعى الأبحاث المستقبلية لتحديد ما إذا كان الدماغ يعالج هذه السياقات اليومية بنفس الطريقة، واختبار هذه الآليات خارج النطاقات السريرية.

تتمثل الخطوة التالية المهمة في فحص ما يحدث إذا تعطل التفاعل بين مجموعات العصبونات هذه بشكل متعمد، وهل سيؤثر ذلك على قدرة الشخص على استحضار الذاكرة الصحيحة في السياق المناسب أو اتخاذ قرارات دقيقة. تفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لفهم اضطرابات الذاكرة وكيفية تحسين الوظائف الإدراكية في المستقبل.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *