درر ابن القيم في تصنيف البشر: أين مقامك بين أصناف الناس؟

# درر العلامة ابن القيم في تصنيف البشر: رحلة في أعماق النفس الإنسانية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

إن المتأمل في نصوص الوحيين يدرك أن الناس ليسوا على درجة واحدة في ميزان الله عز وجل، بل هم مراتب ومنازل بحسب ما وقر في قلوبهم من الإيمان وما ظهر على جوارحهم من العمل. وقد كان للعلامة المحقق، طبيب القلوب، ابن القيم الجوزية -رحمه الله- وقفات جليلة ونظرات فاحصة في استجلاء حقيقة النفس البشرية وتصنيف الخلق وفق معايير الشرع والعقل. لقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره في كتبه المتفرقة، ليكون مرآة لكل لبيب يبحث عن مقامه، وأسأل الله الكريم أن ينفع بها الجميع.

أولاً: أشباه الناس وشياطين الحقيقة

في كتابه القيمة “مفتاح دار السعادة”، يرسم لنا ابن القيم صورة مخيفة لصنف من البشر هم في الظاهر ناس، لكن حقيقتهم أبعد ما تكون عن الإنسانية المكرمة. هؤلاء هم الموصوفون بقوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال:22].

يصفهم ابن القيم بأنهم “شر البرية”، لا خير يرجى منهم، يضيقون الديار بكثرتهم، ويغلون الأسعار باستهلاكهم، وهم مع ذلك خاوون من المعنى. إنهم يظنون في أنفسهم العلم، لكنه علم قاصر على ظواهر الدنيا، وهم عن الآخرة غافلون. يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، وينطقون بالجهل، ويؤمنون بالجبت والطاغوت.

تأمل في أحوالهم كما وصفها ابن القيم:

  • في العبادة: يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم، ويصلون وهم عن صلاتهم ساهون، يراؤون الناس ويمنعون الماعون.
  • في القول: يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، ويبيتون من القول ما لا يرضى الله.
  • في الحكم: يبغون حكم الجاهلية، ويكتبون الباطل بأيديهم ويزعمون أنه من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً.
  • في دعوى الإصلاح: يقولون إنما نحن مصلحون، والحقيقة أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون.
  • إن هذا الضرب من الناس هم “ناس بالصورة وشياطين بالحقيقة”، فاحذر يا أخي أن تكون منهم أو تتشبه بخلالهم.

    ثانياً: المراتب الثلاث للعلم والنجاة

    ينتقل بنا العلامة ابن القيم في “طريق الهجرتين” ليقسم الناس إلى ثلاث مراتب رئيسية، وهي التقسيم المشهور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

    1. العالم الرباني: وهو الذي كمل علمه وعمله، وأصبح دليلاً للناس على طريق الله.
    2. المتعلم على سبيل النجاة: وهو الذي عرف قدر نفسه، فسعى في طلب العلم ليرفع الجهل عن نفسه وينجو بها من عذاب الله.
    3. الهمج الرعاع: وهم حثالة الناس وحمقاهم وجهلتهم.

    ويحذر ابن القيم من هذا الصنف الأخير (الهمج الرعاع) تحذيراً شديداً، فيقول: “هؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عدداً، الأقلون عند الله قدراً، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد ويشب ضرامها”. هؤلاء هم الذين يتبعون كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.

    ثالثاً: علية القوم وسفلتهم

    الناس عند ابن القيم قسمان لا ثالث لهما من حيث القيمة الروحية:

  • العلية: وهم من عرفوا الطريق إلى ربهم، وسلكوها بصدق وإخلاص قاصدين الوصول إليه. هؤلاء هم الأكارم عند الله.
  • السفلة: وهم من لم يعرفوا الطريق، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عنها. هؤلاء هم اللئام الذين قال الله فيهم: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ} [الحج:18].
  • رابعاً: معيار الرجولة الحقة

    في كتابه “الفروسية”، يضع ابن القيم معياراً دقيقاً للكمال البشري، فيقسم الناس إلى ثلاثة:
    1. الرجل الكامل: وهو من اجتمع فيه “إصابة الرأي” (الحكمة) و”الشجاعة”.
    2. نصف الرجل: وهو من امتلك أحد هذين الوصفين دون الآخر؛ فإما شجاع بلا رأي، أو صاحب رأي بلا شجاعة.
    3. الذي هو لا شيء: وهو العاري من الوصفين جميعاً، فلا عقل يسدده ولا شجاعة ترفعه.

    خامساً: عبودية الجوارح وأقسام العاملين

    كل جارحة في بدنك -أيها الإنسان- لها عبودية تخصها. وفي هذا الباب، يقسم ابن القيم الناس في كتابه “الكلام على مسألة السماع” إلى:

  • الرابحون: الذين استعملوا جوارحهم فيما خلقت له، فباعوا أنفسهم لله بأربح البيع.
  • الخاسرون: الذين استعملوا جوارحهم في معصية الله، فخابت تجارتهم وحصلوا على السخط والأليم من العقاب.
  • البطالون: الذين عطلوا جوارحهم وأماتوها بالكسل، وهؤلاء أبغض الخلق إلى الله؛ لأنهم “كلٌّ” على الدنيا والدين، لا في شغل الدنيا نجحوا، ولا لسعي الآخرة عملوا.
  • سادساً: أهل الهدى والبصائر مقابل أهل الجهل والظلم

    يفصل ابن القيم في كتابه “التبيان في أيمان القرآن” حال الناس تجاه الوحي، فيجعلهم قسمين:

    1. أهل الهدى والبصائر

    هم الذين عرفوا أن الحق فيما جاء به الرسول ﷺ، فصدقوه في أخباره وأطاعوه في أوامره. لم يعارضوا الوحي بشبهة، ولم يضيعوا الأوامر بشهوة. هؤلاء أضاء لهم نور الوحي، فرأوا به حقيقة الدنيا والآخرة.

    2. أهل الجهل والظلم

    وهم الذين جمعوا بين الجهل بالحق والظلم باتباع الهوى، وهم صنفان:

  • أهل الجهل المركب: الذين يجهلون الحق ويعادونه، ويحسبون أنهم على علم وهدى. أعمالهم كالسراب، يظنه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.
  • أصحاب الظلمات: وهم المنغمسون في الجهل المحض، المقلدون لآبائهم بلا بصيرة. هؤلاء يتقلبون في خمس ظلمات: قولهم ظلمة، وعملهم ظلمة، ومدخلهم ظلمة، ومخرجهم ظلمة، ومصيرهم إلى الظلمة (النار).

سابعاً: الغفلة عن مراد الإيجاد

في “الوابل الصيب”، يطلق ابن القيم صرخة وعظية تهز القلوب الغافلة. يقرر أن أكثر الخلق لا ينظرون في سبب وجودهم، بل شملتهم الغفلة وغرتهم الأماني الكاذبة.

يقول بأسلوب مؤثر: “يسعون لما لا يدركون، ويتركون ما هم به مطالبون، ويعمرون ما هم عنه منتقلون، ويخربون ما هم إليه صائرون”.
والعجب كل العجب من إنسان تُعد أنفاسه، وتُحصى لحظاته، وهو لا يتفكر إلى أين يُحمل؟ وإلى أي منزل يُنقل؟ إن العاقل هو من يحضر ذهنه ويستعد للرحيل بالتزود من التقوى، فما الظن بأمر متيقن كالموت؟

ثامناً: مراتب النفوس الثلاث

ختاماً، يصنف ابن القيم النفوس البشرية إلى ثلاث مراتب تعكس همة الإنسان:
1. النفس الكلبية: وهي التي تقنع بالدنيء من الأمور، كالكسرة والجيفة، همها بطنها وفرجها.
2. النفس السبعية: وهي التي لا تقنع بالشهوات الحسية فقط، بل تسعى للقهر والغلبة والاستيلاء على الناس بالحق أو بالباطل.
3. النفس الملكية: وهي التي ارتفعت عن سفاسف الأمور، وشمرت للرفيق الأعلى، فصارت همتها العلم والإيمان والتقرب من الملك الديان.

خاتمة:
إن هذه التصنيفات التي سطرها ابن القيم ليست مجرد تقسيمات نظرية، بل هي موازين شرعية ينبغي أن يزن المرء بها نفسه. فلينظر كل واحد منا: في أي طبقة هو؟ ومع أي صنف يحشر؟
نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهل الهدى والبصائر، ومن أصحاب النفوس الملكية التي تشتاق إلى لقاء ربها، وأن يعيذنا من الغفلة ومن حال الهمج الرعاع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *