درر ابن القيم في مكارم الأخلاق: دليل شامل لتهذيب النفس

# من درر العلامة ابن القيم في مكارم الأخلاق: رحلة في تهذيب النفوس

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فإن مكارم الأخلاق هي الغاية التي بُعث النبي صلى الله عليه وسلم لإتمامها، وهي الحلية التي يتزين بها المؤمن في دنياه وآخرته. وقد أفاض العلامة ابن القيم -رحمه الله- في تبيان أصول هذه الأخلاق وفروعها في مؤلفاته، مستنبطاً من الكتاب والسنة أسرار النفس البشرية وكيفية ارتقائها. وفي هذا المقال، نستعرض جملة من درره المنثورة في كتبه حول هذا الموضوع العظيم.

منزلة الخُلق في مدارج السالكين

يرى ابن القيم أن الخُلق ليس مجرد سلوك عابر، بل هو منزلة من منازل السير إلى الله. ففي كتابه “مدارج السالكين”، يربط بين الخُلق وبين قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. لقد أثنى الله على نبيه بأعظم الثناء فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}.

وقد لخص الله مكارم الأخلاق في آية جامعة هي قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}. ومن هنا، قيل إن أحسن الخلق يتلخص في ثلاثة أمور: بذل الندى (العطاء)، وكف الأذى، واحتمال الأذى من الآخرين. إنها معادلة شاملة تضبط علاقة العبد بخالقه وعلاقته بالخلق من حوله.

الأركان الأربعة لحسن الخُلق

يضع ابن القيم تقسيماً عبقرياً لحسن الخلق، مؤكداً أنه لا يقوم إلا على أربعة أركان أساسية، إذا اختل أحدها اختل توازن النفس:

1. الصبر: وهو الركن الأول، إذ يحمل العبد على الاحتمال، وكظم الغيظ، وكف الأذى عن الناس. بالصبر يتحلى المرء بالحلم والأناة والرفق، ويتجنب الطيش والعجلة التي تفسد الأخلاق.
2. العفة: وهي التي تعصم المرء من الرذائل والقبائح، قولاً وفعلاً. العفة تثمر الحياء -الذي هو رأس كل خير- وتمنع الإنسان من السقوط في الفحش، والبخل، والكذب، والغيبة، والنميمة.
3. الشجاعة: وهي قوة النفس التي تحملها على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق. الشجاعة هي التي تمكن المرء من البذل والعطاء (الذي هو شجاعة النفس في مفارقة المحبوب من المال)، وهي التي تمكنه من كظم غيظه وكبح جماح نفسه عن البطش عند الغضب.
4. العدل: وهو الميزان الذي يضمن اعتدال الأخلاق وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط. فالجود هو وسط بين الإمساك والتبذير، والحياء وسط بين الذل والقحة، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور.

السخاء والعطاء: برهان المحبة

في كتابه “الوابل الصيب”، يتحدث ابن القيم عن السخاء بأسلوب وعظي مؤثر، موضحاً أن السخي قريب من الله، ومن خلقه، ومن الجنة، وبعيد من النار. ويؤكد أن جود الرجل هو المغناطيس الذي يحببه حتى في أعدائه، بينما بخل المرء قد يجعله مبغوضاً حتى من أقرب الناس إليه وهم أولاده.

ويطرح ابن القيم مفهماً عميقاً للسخاء، فهو ليس مجرد بذل المال، بل قد يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يعطيهم شيئاً؛ وذلك لأنه سخا عما في أيديهم، فلم يتطلع إليه ولم يطمع فيه. وهذا هو معنى قول السلف: “السخاء أن تكون بمالك متبرعاً، وعن مال غيرك متورعاً”.

الإنصاف: حلية ورثة الأنبياء

يعتبر الإنصاف من أعز الأخلاق، خاصة لمن نصب نفسه حكماً بين الأقوال والمذاهب. يقول ابن القيم في “أعلام الموقعين”: “الله تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل”.

إن ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم منصبهم هو العدل بين الطوائف، فلا يميلون مع قريب أو ذي مذهب، بل الحق هو ضالتهم المنشودة، يدورون معه حيث دار، لا يمنعهم من قول الحق لومة لائم أو عذل عاذل. الإنصاف هو تحكيم الحجة والعودة إلى ما كان عليه النبي وأصحابه.

التواضع: انكسار القلب لله

التواضع عند ابن القيم ليس مجرد مظهر، بل هو حالة قلبية تتولد من معرفة الله ومعرفة النفس. هو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة لعباده. المتواضع الحقيقي لا يرى لنفسه فضلاً على أحد، بل يرى الفضل للناس عليه.

صور من تواضع النبي صلى الله عليه وسلم

كان النبي صلى الله عليه وسلم القدوة العليا في التواضع، فكان:

  • يسلم على الصبيان إذا مر بهم.
  • يكون في خدمة أهله في بيته.
  • يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة.
  • يأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم.
  • يبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة العبد.
  • ويقسم ابن القيم التواضع إلى نوعين: تواضع للخلق، وتواضع للدين. والتواضع للدين هو الانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والاستسلام له والإذعان، حتى لو أشكل على عقلك شيء من أدلة الدين، فعليك أن تعلم أن ذلك لعظمته وشرفه، وأنك لم تؤتَ مفتاح فهمه بعد.

    الحياء: حياة القلب وقوته

    يربط ابن القيم بين “الحياء” و”الحياة”، فالحياء مشتق من الحياة. وعلى حسب حياة القلب تكون قوة خلق الحياء. فكلما كان القلب أحيى، كان الحياء أتم، وقلة الحياء هي علامة على موت القلب والروح.

    ويستشهد ابن القيم بالأحاديث النبوية:

  • ((الحياء من الإيمان)).
  • ((الحياء لا يأتي إلا بخير)).
  • ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)).

ويفسر الحديث الأخير بمعنيين: أحدهما التهديد (أي أن من فقد الحياء سيفعل كل قبيح)، والثاني الإباحة (أي انظر في فعلك، فإن كان مما لا يستحيا منه فافعله)، ويرجح ابن القيم معنى التهديد.

العفو والصفح: العز الحقيقي

العفو هو إسقاط الحق جوداً وكرماً مع القدرة على الانتقام. يوضح ابن القيم في كتابه “الروح” مفارقة عجيبة: أن العفو في الظاهر قد يبدو ذلاً، لكن باطنه عز ومهابة، بينما الانتقام ظاهره عز، وباطنه ذل.

فما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، والجزاء من جنس العمل؛ فمن عفا عن الناس عفا الله عنه، ومن سامح أخاه في إساءته سامحه الله في ذنوبه. فمن أراد أن يقابل الله إساءته بالإحسان، فليقابل هو إساءة الناس إليه بالإحسان.

الإيثار: ذروة سنام الأخلاق

يقول ابن القيم: “الدين كله في الإيثار”. والفرق بين الإيثار والأثرة هو أن الإيثار تخصيص غيرك بما تريده لنفسك، بينما الأثرة هي استئثارك بالشيء دون غيرك.

والإيثار المحمود هو الإيثار بفضول الدنيا، أما الإيثار بالوقت والدين وما يصلح القلب فلا يجوز، لأن الرجل لا يؤثر بنصيبه من الله أحداً. وما يسهل الإيثار على النفس أمور ثلاثة:
1. الرغبة في مكارم الأخلاق.
2. النفرة من أخلاق اللئام ومقت الشح.
3. تعظيم الحقوق التي جعلها الله للمسلمين بعضهم على بعض.

أركان التعامل مع الناس

في كتابه “تهذيب سنن أبي داود”، يضع ابن القيم دستوراً للتعامل مع الخلق يقوم على بذل المعروف وكف الأذى، وهذا لا يقوم إلا على خمسة أركان:
1. العلم: لتمييز معالي الأخلاق من سفسافها.
2. الجود: لتنقياد النفس للبذل.
3. الصبر: لتحمل أعباء التعامل مع الناس.
4. طيب العود: وهو الفطرة السليمة التي تقبل الخير وتحفظه.
5. صحة الإسلام: وهو المحرك الأساسي، فبقدر قوة الإيمان يسهل على المرء التحلي بحسن الخلق.

ختاماً، إن كلمات ابن القيم ليست مجرد تنظير، بل هي منهاج حياة لمن أراد أن يزكي نفسه ويرتقي في مدارج السالكين. نسأل الله الكريم أن يرزقنا حسن الخُلق، وأن يلحقنا بالصالحين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *