أزمة إنسانية متفاقمة ونداءات دبلوماسية عاجلة
تعيش مناطق ريف حلب الشرقي حالة من التوتر المتصاعد الذي ينذر بكارثة إنسانية وشيكة، في ظل تطورات ميدانية متسارعة دفعت بالدبلوماسية التركية إلى الواجهة للتعبير عن قلق عميق حيال مصير آلاف المدنيين. وفي هذا السياق، لم تكن تدوينة السفير التركي لدى دمشق، السيد يلماز، مجرد تعليق عابر، بل جاءت كصرخة تحذير من “انتهاكات خطيرة” للقانون الدولي والإنساني، حيث تتابع أنقرة ببالغ القلق ممارسات تنظيم “YPG” الذي اتُّهم باتخاذ المدنيين في منطقتي دير حافر ومسكنة رهائن سياسيين وميدانيين، مانعاً إياهم من مغادرة مناطق العمليات العسكرية.
دير حافر ومسكنة: من مناطق سكنية إلى ثكنات للهجمات المسيّرة
وفقاً للمعلومات الميدانية والتحليلات الدبلوماسية، شهدت الآونة الأخيرة تحولاً خطيراً في وظيفة منطقتي دير حافر ومسكنة؛ فبعد أن كانت مراكز استقرار للمدنيين، تحولت تحت قبضة تنظيم “YPG” إلى منصات لإطلاق الهجمات العدائية. وأشار السفير التركي بوضوح إلى أن التنظيم استخدم هذه المناطق كقاعدة لشن هجمات بطائرات مسيّر انتحارية استهدفت الأحياء السكنية المكتظة داخل مدينة حلب. هذا التحول التكتيكي لم يهدد أمن المدينة فحسب، بل جعل من سكان الريف الشرقي غطاءً بشرياً لتلك العمليات، وهو ما وصفه يلماز بأنه إقحام متعمد للمدنيين في حرب ليسوا جزءاً منها ولا ناقة لهم فيها ولا جمل.
التحرك العسكري السوري: استراتيجية الردع والممرات الآمنة
أمام هذا التصعيد، لم يقف الجيش السوري موقف المتفرج، حيث بدأ منذ مطلع الأسبوع الجاري بإرسال تعزيزات عسكرية ضخمة إلى تخوم مناطق شرق حلب. هذا التحرك جاء عقب رصد دقيق لتحركات مريبة لمجموعات مسلحة تابعة للتنظيم، جنباً إلى جنب مع فلول النظام المخلوع، الذين بدأوا بالتجمع في محيط مسكنة ودير حافر. ومع إعلان الجيش هذه المناطق “مناطق عسكرية مغلقة” يوم الثلاثاء الماضي، بدأت ملامح عملية عسكرية وشيكة تلوح في الأفق، هدفها المعلن هو استعادة الاستقرار وردع التهديدات الإرهابية.
ومع ذلك، ومع إدراك القيادة العسكرية لخطورة وجود المدنيين في هذه المربعات الأمنية، أعلنت هيئة العمليات عن فتح ممرات إنسانية تهدف إلى إجلاء السكان وتوفير ملاذ آمن لهم بعيداً عن خطوط النار. إلا أن الصدمة جاءت صباح الخميس، حين واجه المدنيون الراغبون في الفرار منعاً قسرياً من قبل عناصر “YPG”، الذين قطعوا الطرق المؤدية إلى الممرات في خطوة وُصفت بأنها محاولة يائسة لاستخدام الكثافة السكانية كحائط صد ضد أي تقدم عسكري مرتقب.
جذور الصراع: من “الشيخ مقصود” إلى اتفاق آذار المترنح
لفهم مشهد اليوم، لا بد من العودة إلى مطلع شهر يناير الجاري، حين شن التنظيم هجمات غادرة بالمسيّرات انطلاقاً من حيي الأشرفية والشيخ مقصود، أسفرت عن سقوط 24 ضحية وإصابة العشرات. تلك الهجمات استدعت رداً عسكرياً محدوداً من الجيش السوري بين 8 و10 يناير، انتهى ببسط السيطرة على الحيين وانسحاب المسلحين نحو معاقلهم في الشمال الشرقي. ولكن، يبدو أن التنظيم لم يستوعب الدرس، حيث استهدف مبنى المحافظة أثناء مؤتمر صحفي رسمي فور انتهاء العملية، في إشارة واضحة لرفض التهدئة.
وعلى الرغم من وجود “اتفاق العاشر من مارس 2025” الذي كان يُفترض أن يشكل خارطة طريق للسلام عبر دمج المؤسسات وإعادة فتح المعابر الحيوية وانسحاب المسلحين إلى شرق الفرات، إلا أن الواقع يثبت تنصل التنظيم من التزاماته. هذا التعنت يضع الدولة السورية أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على هيبة القانون وبسط السيادة، وحماية مئات الآلاف من المدنيين المحاصرين الذين حذرت مديرية إعلام حلب من أن حياتهم باتت في خطر داهم نتيجة عرقلة الممرات الإنسانية.
سوريا ما بعد 2024: مخاض الدولة واستعادة الأمن
يأتي هذا التصعيد في وقت حساس للغاية من تاريخ سوريا المعاصر، حيث تواصل الحكومة السورية جهودها الحثيثة والمكثفة لضبط الأمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة منذ الانهيار الدراماتيكي لنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024. إن محاولات تنظيمات غير شرعية خلق جيوب تمرد أو استخدام المدنيين كأوراق ضغط سياسي، تقوض مساعي الاستقرار الوطني وتستدعي موقفاً دولياً حازماً يتجاوز لغة القلق إلى ممارسة ضغوط فعلية لضمان سلامة الأبرياء وتنفيذ الاتفاقات المبرمة.
مصدر المعلومات الأساسية: TRT


اترك تعليقاً