اعلم -أرشدك الله- أنَّ الدولَ إذا بَلغت في العُتُوِّ مبلغاً، وظنَّت أنَّ الرقابَ خاضعةٌ والنفوسَ طائعةٌ، باغتتها صرخةُ الجائعِ الذي لم يَعُد يخشى فَقْدَ الروحِ بعدما فَقَدَ القُوتَ. وإنَّ ما نرقبُه اليوم في بلادِ فارس، ليس مجردَ اضطرابٍ عابرٍ أو فتنةٍ تذروها الرياح، بل هو زلزالٌ ارتجّت له أركانُ طهران، وسُفكت فيه دماءٌ بلغت من الغزارةِ حدَّاً يُعجزُ الوصفَ ويُحيّرُ الألباب.
فقد نَقلت الرواةُ وأهلُ الأخبارِ من عصبةِ “هرانا” الحقوقية، أنَّ القتلَ قد استحرَّ في الناس حتى جاوزَ الألفينِ وخمسمئةِ نَفَسٍ، وهو عددٌ لو علمتَ عظيمٌ، يشي بأنَّ القوةَ الغاشمةَ قد عَميت بصيرتُها عن حُرمةِ الدماء، فلم تُفرق بين شيخٍ ولا شاب، بل ولَم تَرْعَ ذِمَّةً في اثني عشرَ طفلاً لم يبلغوا الحُلم، قُطفوا في ريعانِ الصبا.
فاجعةُ الأعدادِ وغصّةُ الأكفانِ في “كهريزك”
ومن عجيبِ ما يُذكر، وما يبعثُ في النفسِ كَمَداً، أنَّ الأرقامَ التي تُساقُ في هذا الباب تختلفُ باختلافِ المشارب؛ فبينما تُؤكدُ المنظماتُ المستقلةُ أنَّ الحصيلةَ بلغت 2,571 قتيلاً، يخرجُ لسانُ السلطةِ ليعترفَ بألفين، ولكنه يرمي بها في حِجرِ “الإرهابيين” -على حدِّ وصفهم- في صنيعٍ لا يخلو من مكرٍ سياسيٍّ يرومُ قلبَ الحقائق.
- تحققت الهيئاتُ من مقتل 2,403 متظاهرين ممَّن بذلوا صدورهم للرصاص.
- سقطَ في غمارِ هذه الفتنة 147 من المرتبطين بجهازِ الدولة.
- اعتقلت السلطاتُ ما يربو على 16,780 إنساناً، حُشروا في السجونِ حشراً.
ويروي مَن حضرَ وشاهد، أنَّ مركز “كهريزك” للطبِّ الشرعيِّ قد غدا مَشهداً من مَشاهدِ يومِ القيامة؛ حيث تكدست الجثثُ ملفوفةً في أكياسِها، يبحثُ ذوو القربى عن أحبتهم وسطَ رائحةِ الموتِ التي أزكمت الأنوف، في حينِ تئنُّ المستشفياتُ تحت وطأةِ الجراحِ ونقصِ الدماء، حتى كأنَّ المدنَ قد استُحيلت إلى ساحاتِ حربٍ ضروس.
سيفُ القضاءِ المسلول ورهبةُ الإعدام
وفي سياقٍ متصلٍ، يرى المراقبُ لجوءَ السلطةِ إلى سلاحِ “الترهيبِ العاجل”؛ إذ لم يكد يمرُّ يومانِ على اعتقالِ شابٍ في السادسةِ والعشرين من عمره، حتى صَدَرَ الحكمُ بإعدامه صبراً. وهو صنيعٌ وصفه أهلُ القانونِ بأنه أسرعُ من طَرْفِ العين، الغرضُ منه بَثُّ الرعبِ في قلوبِ مَن تسوّلُ له نفسه الخروجَ على الحاكم.
وقد توعدَ رئيسُ السلطةِ القضائيةِ بإنزالِ أشدِّ العقوباتِ بمَن وصفهم بـ”أهلِ الشغب”، ملوحاً بتهمةِ “معاداةِ الله”، وهي التهمةُ التي تُشرعُ الأبوابَ لحبالِ المشانق، في وقتٍ تُغلقُ فيه نوافذُ “الإنترنت” وتُخرسُ فيه ألسنةُ التواصلِ الرقميِّ ليبقى ما يحدثُ في الظلامِ طيَّ الكتمان.
ترامب ونداءُ “المساعدة”: هل قَرُبَ أوانُ التدخل؟
ومن ناحيةٍ أخرى، لم يقف العالمُ موقفَ المتفرج، فقد رَمى الرئيسُ الأمريكيُّ ترامب بشررِ تصريحاته، واعداً الإيرانيين بأنَّ “المساعدةَ في طريقها”، ومُطلقاً شعاره الجديد “MIGA” ليكون صنوَ شعاره القديم، في إشارةٍ واضحةٍ إلى رغبته في تغييرِ وجهِ طهران الجريح.
ويرى محللونَ أنَّ لغةَ ترامب هذه المرة تجاوزت مجردَ “التقريعِ الكلامي” إلى التلويحِ بالخيارِ العسكريِّ والضرباتِ السيبرانية، بعد أن فرضَ قيوداً تجاريةً غليظة. وفيما يلي أبرزُ ملامحِ الموقفِ الدولي:
- فرنسا تصفُ القمعَ بأنه الأشدُّ عنفاً في تاريخِ إيران المعاصر.
- الصينُ تلزمُ جانبَ التحذيرِ من التدخلِ الخارجيِّ وتدعو للسكينة.
- بريطانيا تستدعي سفيرَ طهران للاحتجاجِ على “القتلِ الوحشي”.
وفي المقابل، لم تجد الحكومةُ الإيرانيةُ بُدّاً من اتهامِ واشنطن بالبحثِ عن “ذريعةٍ عسكرية”، مؤكدةً أنَّ جيشَها مستعدٌ لكلِّ الاحتمالات، في ظلِّ صراعٍ محمومٍ لا يُعرفُ منتهاه.
خاتمة: جمرةُ الجوعِ ونهايةُ الصبر
إنَّ هذه الاحتجاجاتِ التي اشتعلت في 180 مدينة، لم تكن وليدةَ الصدفة، بل هي ثمرةُ مريرةٌ لانهيارِ العملةِ وضيقِ العيشِ الذي طالَ الرقاب. فهل تنجحُ السطوةُ الأمنيةُ في إخمادِ هذه النيرانِ بحدِّ السيف، أم أنَّ الدماءَ التي سالت قد رَسمت طريقاً جديداً لا عودةَ منه؟ وماذا عساها أن تفعلَ “المساعدةُ” التي وعدَ بها ترامب، هل تكون بلسماً للجراحِ أم زيتاً يُصبُّ فوقَ النارِ فتأكلُ الأخضرَ واليابس؟
مصدر المعلومات: BBC Arabic


اترك تعليقاً