دونالد ترمب في مدرسة البازار: هل يروض سيد الصفقات نيران طهران وتل أبيب؟

دونالد ترمب في مدرسة البازار: هل يروض سيد الصفقات نيران طهران وتل أبيب؟

مقدمة: حين يختلط صليل السلاح بضجيج الأسواق

تطل علينا السياسة الدولية اليوم بمشهد يختلط فيه صليل السلاح بضجيج الأسواق؛ حيث يقف دونالد ترمب في قلب "بازار" دبلوماسي معقد، يحاول فيه ترويض النيران المستعرة بين طهران وتل أبيب. لم يعد المشهد مجرد مواجهة عسكرية جافة، بل تحول إلى مباراة شطرنج طويلة النفس، يستلهم فيها الرئيس الأمريكي أدوات خصمه التاريخي، متبنياً فلسفة "البازار" القائمة على الصبر والمراوغة للوصول إلى الصفقة الكبرى.

عباءة "البازار": حين يرتدي ترمب ثوب الخصم

يعرف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، التفاوض في كتابه "قوة التفاوض" بأنه فن إدارة التوازنات المستلهمة من روح السوق التقليدي. واليوم، نرى دونالد ترمب يلتحق بهذا الركب، مرتدياً رداء "المفاوض الصبور"، داعياً إلى ضبط النفس في وقت تشتعل فيه كرة اللهيب بين إسرائيل وإيران.

هذا التحول في أسلوب ترمب يثير الدهشة، فبالأمس القريب، وتحديداً في 28 فبراير/شباط الماضي، كان هو من أشعل فتيل المواجهة بضربات منسقة استهدفت العمق الإيراني، مهدداً بإعادة البلاد إلى "العصور الوسطى". لكنه اليوم يكبح جماح حليفه بنيامين نتنياهو، مفسحاً المجال لخرائط الدبلوماسية لترسم مسارات جديدة.

محطات التصعيد وأرقام المواجهة

شهدت الأيام الأخيرة اختبارات قاسية لقدرة الأطراف على التحمل، ويمكن تلخيص المشهد الميداني في النقاط التالية:

  • 8 أبريل/نيسان: بداية الهدنة الهشة التي تعرضت لأخطر اختباراتها الأسبوع الماضي.
  • هجوم الأحد: قصف إيراني استهدف مواقع حيوية في شمال إسرائيل، مما رفع منسوب التوتر.
  • رد فجر الاثنين: غارات إسرائيلية استهدفت مطار "مهر آباد" في طهران ومستودعات للطائرات المسيرة الانقضاضية.
  • الأصول المجمدة: صراع موازٍ يدور حول مصير مليارات الدولارات الإيرانية التي تمثل عصب التفاوض.

ميزان القوى: ماذا تريد طهران وماذا يشترط ترمب؟

تتحرك المفاوضات في فلك مطالب متضاربة، حيث تسعى طهران لانتزاع مكاسب اقتصادية وسياسية، بينما يضع دونالد ترمب خطوطاً حمراء لا يقبل تجاوزها:

مطالب طهران الأساسية:

  1. رفع شامل للعقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على اقتصادها.
  2. الاعتراف الرسمي بنفوذها الإستراتيجي على مضيق هرمز.
  3. الإفراج الفوري عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة في الخارج.

اشتراطات البيت الأبيض:

  • منع إيران منعاً باتاً من امتلاك أو تصنيع سلاح نووي.
  • فرض شروط تفاوضية أشد صرامة من اتفاق عام 2015 الذي انسحب منه ترمب في 2018.
  • الوصول إلى اتفاق يضمن أمن الحلفاء في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل.

فلسفة الاستنزاف: رؤية محمد أوريا وعراقجي

يشرح الباحث محمد أوريا، في تحليله لمركز الجزيرة للدراسات، كيف صاغ عباس عراقجي المرجع الفكري للتفاوض الإيراني. إنها مدرسة تحول "المساومة التدريجية" و"الاستنزاف الزمني" إلى أدوات فعلية لتحقيق المكاسب. يبدو أن دونالد ترمب قد أدرك هذه اللعبة، فهو يحاول الآن استنفاد أوراق الدبلوماسية، مع بقاء عينه على خيارات أكثر خطورة، مثل عمليات القوات الخاصة، في حال انهيار الاتفاق.

خاتمة: مابين حافة الهاوية وطاولة الصفقات

يبقى السؤال المعلق في فضاء الشرق الأوسط: هل ينجح دونالد ترمب في استدراج إيران بذات أسلوبها، أم أن "البازار" سيغلق أبوابه على دوي المدافع؟ إن السياسة، في أبهى صورها، هي محاولة ترويض المستحيل، وترمب اليوم يراهن على أن مرونته الواقعية ستنتصر على جمود المواقف، مدركاً أن في عالم الصفقات الكبرى، من يمتلك الصبر يمتلك النتيجة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *