رحيل مهندس البناء في عتمة الغدر: اغتيال وسام قايد وفقدان بوصلة التنمية في عدن
هل يمكن للرصاص أن يوقف عجلة البناء، وهل تطفئ يد الغدر سراجاً أضاء دروب التنمية لآلاف اليمنيين؟ في لحظة فارقة من تاريخ العاصمة المؤقتة عدن، استيقظ الوطن على فاجعة هزت أركان العمل الإنساني، حيث طالت يد الآثام قامة وطنية سامقة، ليكون اغتيال وسام قايد فصلاً جديداً ومؤلماً في كتاب التحديات التي تواجهها البلاد.
تفاصيل الجريمة: اختطاف في وضح النهار ونهاية مأساوية
في مشهد يندى له جبين الإنسانية، وثقت كاميرات المراقبة اللحظات الأخيرة للفقيد وسام قايد، القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية. بدأت المأساة صباح الأحد الماضي أمام منزله، حيث تربص به مسلحون مجهولون واقتادوه تحت تهديد السلاح، في مشهد يعكس جرأة العناصر الإجرامية على انتهاك السكينة العامة.
ولم تمضِ ساعات حتى عثرت الأجهزة الأمنية على جثمانه الطاهر داخل سيارته في منطقة الحسوة جنوبي عدن. هذه الحادثة تأتي بعد عشرة أيام فقط من جريمة مماثلة استهدفت القيادي عبد الرحمن الشاعر، مما يضع المشهد الأمني في المدينة تحت مجهر المساءلة والترقب.
ردود الفعل الرسمية: وعيد بالعدالة وحزم أمني
توالت الإدانات الرسمية من أعلى مستويات الهرم الحكومي، حيث أكد رئيس الوزراء اليمني، شائع الزنداني، أن هذه الجريمة تمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة والجهود الإنسانية. وتضمنت التحركات الرسمية ما يلي:
- توجيهات حازمة: أصدر رئيس الوزراء أوامر للأجهزة الأمنية بتعقب الجناة وتقديمهم للعدالة دون تهاون.
- استنفار أمني: وجه وزير الداخلية اللواء الركن إبراهيم حيدان برفع الجاهزية الأمنية وتكثيف الجهود الميدانية لملاحقة المتورطين.
- تنسيق ميداني: اطلع الوزير من مدير شرطة عدن على تفاصيل التحقيقات الجارية لضمان عدم إفلات المجرمين من العقاب.
غضب دولي: وسام قايد في عيون العالم
لم يكن وسام قايد مجرد مسؤول محلي، بل كان حلقة وصل حيوية مع المجتمع الدولي، وهو ما تجلى في ردود الفعل الدبلوماسية الغاضبة:
- السفارة الأمريكية: طالبت بتحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين، مؤكدة ضرورة أن تكون عدن ملاذاً آمناً.
- المملكة المتحدة: عبرت السفيرة "عبدة شريف" عن صدمتها، واصفة الفقيد بأنه عمل بلا كلل لإيصال المساعدات المنقذة للحياة لملايين اليمنيين.
- الاتحاد الأوروبي: شدد السفير "باتريك سيمونيه" على تفاني قايد في خدمة وطنه، مطالباً بتقديم الجناة للعدالة وبسرعة.
سيرة ومسيرة: من قاعات العلم إلى ميادين العطاء
كان الفقيد وسام قايد نموذجاً للكادر الوطني المؤهل الذي يمزج بين العلم الأكاديمي والخبرة الميدانية. وتبرز محطات حياته المهنية كالتالي:
- التأهيل الأكاديمي: حصل على درجة الماجستير في الصراع والأمن والتنمية من جامعة برمنغهام البريطانية.
- الريادة التنموية: أسس في عام 2005 وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والصغرى (SMEPS)، التي دعمت آلاف المشاريع المتوسطة.
- القيادة الإدارية: عُين نائباً للمدير العام للصندوق الاجتماعي للتنمية في 2019، ثم تولى إدارته ليشرف على تمويلات المانحين الدولية.
الخاتمة: التنمية في مواجهة الرصاص
إن اغتيال وسام قايد ليس مجرد غياب لجسد، بل هو محاولة بائسة لاغتيال الأمل في نفوس الضعفاء الذين كان الفقيد صوتهم ويدهم التي تبني. إن الحفاظ على دماء الكوادر الوطنية هو صمام الأمان لبقاء الدولة، وإن العدالة الناجزة هي الرد الوحيد الذي يمكن أن يداوي جراح الوطن النازفة. سيبقى أثر وسام قايد محفوراً في كل مشروع تنموي، وفي كل ابتسامة طفل وجد مدرسة أو أسرة وجدت رزقاً بفضل جهوده، فالبناء أبقى من الهدم، والحق أبلج والباطل لجلج.



اترك تعليقاً