رمضان بين الصورة والحقيقة: كيف تجعل صيامك مقبولاً عند الله؟

مقدمة: إشراقة الشهر الفضيل ونداء المحاسبة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

إن مجلة البيان، وانطلاقاً من رسالتها الإسلامية السامية، دأبت على أن تكون نبضاً حياً يتفاعل مع واقع أمتنا الإسلامية؛ دعوةً وتوجيهاً، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، ونصيحةً لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. وفي ظل ما يشهده واقعنا اليوم من مآسٍ ومشكلات يعاني منها جل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، كنا نتحين الفرص لمعالجة الأحداث والمواقف بروح إيمانية بصيرة.

وها هي إطلالة هذا الشهر الكريم، بإشراقاته القدسية وأنواره الربانية، تهل علينا حاملةً معها البركات والخيرات، مما يدفعنا للتوقف وقفة عرض ومحاسبة؛ لنتأمل أحوالنا في هذا الشهر، وننظر في واقعنا بين “الصورة” التي نؤديها و”الحقيقة” التي ينبغي أن نكون عليها. إنها وقفة لمساءلة النفس: ما مدى التزامنا بالهدي النبوي؟ وماذا يجب علينا أن نصنع لنكون في هذا الموسم العظيم من المقبولين عند الله عز وجل؟

رمضان: فرصة العمر السانحة للتغيير

إن هذا الشهر الذي تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب جهنم، وتصفد فيه الشياطين، ليس مجرد وقت ينقضي، بل هو فرصة ذهبية كبرى لعودة المسلمين المسرفين على أنفسهم إلى رحاب الله توبةً وهدايةً والتزاماً. وحسب المؤمن فضلاً وكرماً أن يصوم هذا الشهر إيماناً واحتساباً ليغفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

لقد كان هذا الشهر المبارك -عبر العصور- غرة في جبين تاريخ أمتنا، وشهر الفتوح والانتصارات الكبرى؛ ففيه سُطرت ملاحم العزة في (غزوة بدر، وفتح مكة، وفتح الأندلس، وحطين)، وغيرها من المعارك التي غيرت مجرى التاريخ، مما يؤكد أن رمضان هو شهر القوة والعمل، لا شهر الخمول والكسل.

مظاهر الشطط: حين تتحول العبادة إلى عادة جوفاء

مما يبعث على الأسى والأسف أن يتحول حال الكثيرين منا في هذا الشهر إلى النقيض تماماً عما كان عليه سلفنا الصالح. لقد ظهرت في واقعنا المعاصر صور من الشطط والبعد عن جوهر الصيام، نستعرض بعضها للتنبيه والتحذير:

1. الهروب من الأجواء الإيمانية: نجد من الناس من يستغل هذا الشهر للسفر والسياحة، لا بحثاً عن مناخ يعينه على الطاعة، بل هروباً من الجو الرمضاني المليء بالذكر والوقار، ليعاقر المنكرات ويبارز الله بالمعاصي في بلاد لا يحترم أهلها حرمة الشهر، وهؤلاء قد يضطرون أحياناً لصيام قسري لأسباب صحية أو طبية، فشتان بين صيام العابد وصيام المضطر.
2. قلب الموازين بين الليل والنهار: صنف آخر يتخذ من رمضان فرصة للبطالة؛ فيأخذون الإجازات ليكون ليلهم سهراً فيما لا ينفع، ويقظتهم نوماً طويلاً يمتد لغالب النهار، فأي صيام هذا الذي تضيع فيه الصلوات المفروضة وتُهمل فيه السنن الرواتب؟
3. سوء الخلق وضيق الصدر: من الصائمين من يظن أن الصوم مبرر للغضب وسوء التعامل، فتراه عبوساً قمطريراً، إذا تحدث لم يعف لسانه عن الغيبة والنميمة وفحش القول، متناسياً أن الصوم جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب.

إن أحوال الكثيرين اليوم تنطوي على محاذير شرعية قد تصل إلى حد إحباط العمل بالكلية، وربما ينطبق على هؤلاء قوله صلى الله عليه وسلم: «رُبَّ صائِمٍ ليس لَهُ مِنْ صيامِهِ إلَّا الجوعُ ، ورُبَّ قائِمٍ ليس لَهُ مِنْ قيامِهِ إلَّا السَّهرُ» (صحيح الجامع [3488]). وهذا يقتضي من كل مسلم مخلص أن يراجع حساباته بدقة، وأن ينظر لهذا الموسم كفرصة لتلافي الأخطاء، لعل الله يتداركه برحمته ويختم له بالحسنى، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34].

معالم الطريق نحو صيام رباني

إن قضاء هذا الشهر كما ينبغي، وفقاً لسنة البشير النذير، هو شرف عظيم لا يوفق له إلا الربانيون المقتدون بهدي النبوة. ولعلنا نقف هنا مع معالم أساسية تذكرنا بحقيقة الصيام:

أولاً: الصيام عبادة لا عادة

يجب استشعار أن الصيام عبادة مقصودة لذاتها، وثمرتها الكبرى هي “التقوى”. فالحكمة من مشروعية الصيام ليست الجوع العطش، بل كما قال الله جل وعلا: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. التقوى التي تحجز المرء عن المعاصي وتدفعه للطاعات في السر والعلن.

ثانياً: الارتباط الوثيق بكتاب الله

رمضان هو شهر القرآن، لذا يجب زيادة الارتباط بكتاب الله حفظاً وقراءة وتدبراً. ولا يكتفى بمجرد الهذّ، بل ينبغي الاطلاع على التفاسير الموثوقة لفهم مراد الله، ومن أجلّها (تفسير العلامة ابن كثير)، ومختصره القوي (عمدة التفسير) للشيخ أحمد شاكر. إن التدبر هو الذي يحيي القلوب ويجعل القرآن ربيعاً لها.

ثالثاً: التنافس في القربات

أن يكون حالنا كحال السلف الصالح؛ تنافساً في الطاعات وتزوداً من النوافل. ومن أهم ذلك:

  • المحافظة على أداء الفرائض في جماعة المسلمين.
  • الحرص على صلاة التراويح والقيام بخشوع واطمئنان.
  • بذل الصدقات للمحتاجين والفقراء.
  • تجنب كل ما يخدش حياء الصيام من أقوال وأفعال.

رابعاً: التفاعل مع قضايا الأمة

إن الصائم الحق هو من يتألم لألم إخوانه. يجب التفاعل مع واقع المسلمين المستضعفين في أرجاء العالم بالبذل والمساعدة والمشاركة في الإغاثة، ودعم المشاريع الخيرية. إن الإحساس بالجوع والظمأ يجب أن يكون مذكراً لنا بحال المنكوبين الذين يعانون المسغبة طوال العام، مما يدفعنا لمزيد من الهبات والتبرعات.

وماذا بعد رمضان؟ سؤال الثبات

إننا نلحظ تحسناً ملموساً في أحوال المسلمين خلال رمضان، حيث تمتلئ المساجد وتتضاعف الأعمال الصالحة. ولكن، ما إن تنصرم أيام الشهر، ويحضر الناس ختمة القرآن ليلة القدر، حتى يبدأ ذلك المشهد الفريد بالانفراط. تتناقص الصفوف، وتعود المعاصي، وكأن القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان! والله المستعان.

من يضمن لنا أن نعيش لرمضان القادم؟ ومن يضمن للناكص على عقبيه أن يختم له بخاتمة حسنة وهو يعود لدركات الخطايا؟ إن حياة المسلم الحق، رجلاً كان أو امرأة، يجب أن تكون موصولة بالله عز وجل في كل أيام السنة. يجب استشعار أن كل عمل نقوم به -شرعياً كان أو عادياً- يجب أن يقصد به وجه الله والدار الآخرة، مع الحرص على الجودة والإتقان.

الخاتمة: كن ربانياً ولا تكن رمضانياً

إن المسلم الحق يشعر دائماً أنه على ثغر من ثغور الإسلام، فيحذر كل الحذر أن يؤتى الإسلام من قبله. والموفق حقاً هو من استمر على نشاطه وحيويته الإيمانية بعد رمضان، مقتدياً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في سلوكه وتعامله طوال العام.

نسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً لصيام هذا الشهر وقيامه على الوجه الذي يرضيه عنا، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته في كل مكان. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *