رمضان ونصرة فلسطين: كيف نجعل شهرنا موسماً للعبادة والجهاد؟

# رمضان ونصرة فلسطين: مدرسة الإيمان وساحة الانتصارات

مقدمة: استقبال الضيف الكريم

معاشر المؤمنين الموحدين، يا من تشتاق نفوسكم إلى رحاب طاعة الله، ها نحن نستقبل ضيفاً كريماً عزيزاً على القلوب، ضيفاً لا يأتي إلا بالخير، ولا يحل بساحة قوم إلا أكرمهم؛ إنه شهر رمضان المبارك، الذي أودع الله جل وعلا فيه من الخيرات والبركات ما تنقطع دونه الأعناق. هو الشهر الذي تضاعف فيه الحسنات، وتتنزل فيه الرحمات، وتكفر فيه السيئات، وتجاب فيه الدعوات.

في هذا الشهر العظيم، تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين ومردة الجان، ويُنادي فيه منادٍ: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. لقد أودع الله في هذا الشهر ليلةً واحدة هي في ميزان الله خير من ألف شهر، وهي ليلة القدر، التي من حُرم خيرها فقد حُرم الخير كله. إننا أمام فرصة ذهبية لتجديد العهد مع الله، وتنقية القلوب مما علق بها من أدران الدنيا.

فضائل الصيام: تجارة لن تبور

إن الحسنات في هذا الشهر المبارك -عباد الله- تُضاعف مضاعفة لا يعلم مداها إلا الله. فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعْفٍ، قال الله: إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به؛ إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» )).

تأملوا -رعاكم الله- في قوله تعالى في الحديث القدسي: “إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”. لقد أضاف الله الصيام إلى نفسه تشريفاً وتعظيماً، لأن الصيام عبادة السر التي لا يطلع عليها إلا الرقيب سبحانه. أما فرحة الصائم عند لقاء ربه، فهي الفرحة العظمى التي لا تدانيها فرحة، حين يجد ثواب صبوره وجوعه وعطشه مدخراً له في موازين الحسنات، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

بشارات النبوة في شهر الرحمة والغفران

هنيئاً لكم يا أمة الإسلام هذا الشهر الذي جعله الله محطة للغفران الشامل. استمعوا إلى بشارة نبيكم الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (( «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» ))، ولم يقتصر الأمر على الصيام فحسب، بل شمل القيام أيضاً، فقال: (( «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» ))، وزاد في الكرم الإلهي أن جعل قيام ليلة واحدة سبباً لمحو سجلات الخطايا، فقال: (( «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه» )).

إن قوله “إيماناً واحتساباً” يعني أن يصوم المسلم وهو مؤمن بوجوب الصيام، ومصدق بوعد الله بالثواب، ومحتسب للأجر عنده سبحانه، لا رياءً ولا سمعةً ولا تقليداً للناس. فإذا تحقق هذا الإخلاص، انفتحت أبواب المغفرة لتمحو ما سلف من الذنوب.

رمضان شهر القرآن والجود والإحسان

هذا الشهر هو شهر القرآن الكريم، فيه نزل الوحي على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفيه كان يدارسه جبريل عليه السلام. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم أجْوَدَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيُدارِسه القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الريح المرسلة)).

إن الجود في رمضان ليس مقصوراً على المال فحسب، بل هو جود بالوقت، وجود بالجهد، وجود بالإحسان إلى الخلق. ومن أعظم أبواب الإحسان في هذا الشهر تفطير الصائمين؛ فقد ورد أن من فطَّر فيه صائمًا كان له مِثْلُ أجره، من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئًا. فما أعظمه من فضل، وما أكرمه من رب!

آداب الصيام وتجديد النية

لكي يكون صيامنا مقبولاً وعملنا مبروراً، لابد لنا من الوقوف عند حدود الله وآداب هذا الشهر. يجب على المسلم أن يتهيأ لرمضان بالاستبشار والفرح، وأن يشرع في تعلم أحكام الصيام ليعرف ما يفسده وما يصححه.

ومن أهم هذه الأحكام تبييت النية؛ فإذا أدرك المسلم ليلة رمضان، وجب عليه أن ينوي صيام الشهر إيماناً واحتساباً قبل طلوع الفجر، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( «لا صيام لمن لم يُبيِّته من الليل» )). ثم عليه أن يحفظ جوارحه من الآثام، فلا يكون حظه من صيامه الجوع والعطش فقط. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( «من لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعمل به والجهل، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه» )) [رواه البخاري].

إن الصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعاصي؛ صيام اللسان عن الغيبة والنميمة، وصيام العين عن المحرمات، وصيام القلب عن الغل والحسد. إنما الشهر أيام معدودات، فلنعمرها بالذكر والتلاوة والصلوات، ولنبتعد عن الملهيات والآفات التي تسرق منا بركة الوقت.

سلاح الدعاء في ظلال الصيام

رمضان هو شهر إجابة الدعوات بامتياز. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( «ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم: الصائم حتى يُفطِر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم» )). وقد جاءت آية الدعاء في القرآن الكريم متوسطة لآيات الصيام، لتبين لنا هذا الارتباط الوثيق: ﴿ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ﴾ [البقرة: 186].

فاستعينوا عباد الله على طاعتكم بالجد وصادق الدعاء، وألحوا على الله في المسألة، فأنتم في شهر لا يرد فيه سائلاً، ولا يخيب فيه آملاً.

رمضان ونصرة فلسطين: واجب الوقت

معاشر المؤمنين، إن رمضان لم يكن في تاريخنا مجرد شهر للعبادة المنعزلة، بل كان دوماً شهر الجهاد والانتصارات العظمى. ففي رمضان كانت وقعة بدر الكبرى (يوم الفرقان)، وفي رمضان كان فتح مكة الذي أعز الله به دينه، وفيه كانت سائر الفتوحات التي غيرت وجه التاريخ.

واليوم، يأتي علينا رمضان والجرح في جسد الأمة ينزف، والحرب بين المسلمين في غزة واليهود تزداد اشتعالاً. يعاني أهلنا في فلسطين وغزة من حصار ظالم، واستهداف مجرم، وحرب إبادة لم يشهد لها التاريخ المعاصر مثيلاً.

إن نصرة فلسطين في هذا الشهر ليست نافلة من القول، بل هي فريضة شرعية وواجب وقتي. إن جوعنا في رمضان هو جوع اختياري نبتغي به الأجر، أما جوع إخواننا في غزة فهو حصار وتجويع مفروض عليهم، مما يستوجب منا وقفة صادقة.

كيف ننصر فلسطين في رمضان؟

1. الدعاء الصادق: لا تستهينوا بسلاح الدعاء، خاصة عند الإفطار وفي جوف الليل وفي السجود. ألحوا على الله أن ينصر المجاهدين، ويرحم الشهداء، ويشفي الجرحى، ويفك حصار المكروبين.
2. البذل والعطاء: اجعلوا لإخوانكم في فلسطين نصيباً من صدقاتكم وزكاتكم. إن إطعام الجائع هناك ونصرة المظلوم من أعظم القربات في هذا الشهر.
3. النصرة الإعلامية والمعنوية: بنشر قضيتهم، وفضح جرائم المحتل، وإبقاء جذوة القضية حية في قلوب الأجيال.
4. تحقيق التقوى: فإن النصر ينزل على القلوب التقية. قال تعالى: ﴿ {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} ﴾ [الحج: 40]. ونصر الله يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه.

خاتمة: العزم على الاستقامة

عباد الله، إن الشهر أيام معدودات، وسرعان ما تنقضي ساعاته. فليكن شهرنا هذا شهر نصرةٍ ودعمٍ وعونٍ، شهر توبةٍ وإنابةٍ وإخلاص. استعينوا بالله ولا تعجزوا، وجددوا النيات، وعمروا الأوقات، لعل الله أن ينظر إلينا نظرة رحمة فيجبر كسرنا، وينصر مستضعفينا، ويتقبل منا صيامنا وقيامنا.

هذا، وصلوا وسلموا على من أُمِرْتم بالصلاة والسلام عليه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *