مقدمة: تتبع آثار الدم في رواندا
في شوارع كيغالي، حيث سالت الدماء وتعثرت أقدام الناجين، نبحث عن قصص الألم والمعاناة. نعود بالذاكرة إلى دفاتر الموت الحمراء، في أرض مزقتها السواطير والحراب. نعيد سرد مأساة مضى عليها عقود، لكن أصداءها لا تزال تتردد في قلوب الروانديين.
هذه القصة تشبه قصصًا أخرى عشناها، شممنا رائحة الدم في سطورها، وملأت مشاهد الفقد أوراقها. التقينا ناجين وذوي ضحايا وحتى جلادين، استنطقنا الأماكن والوثائق والشهود، وزرنا النصب التذكاري للإبادة، الذي لا تزال بعض قبوره مفتوحة تنتظر رفات المزيد.
ننقل لكم الرواية عن قرب، لعلها تذكرنا بأرحام الدم ووشائج المآسي التي تتلوّن بها شاشات حياتنا اليوم.
جذور المأساة: الاستعمار وبذور الفتنة
لم تبدأ الإبادة في رواندا عام 1994، بل كانت قبل ذلك بكثير، حين رسمت دول الاستعمار التي توالت على البلاد إرهاصات المشهد، وسيناريوهات المذبحة، ومنحت القاتل سلاحا ليرتكب جريمته.
يقول المؤرخ توم نداهيرو، الذي فقد 12 فردا من عائلته: "كنا شعبا واحدا بلا أي تقسيمات عرقية أو دينية"، حتى نهايات القرن التاسع عشر، حين عقد مؤتمر برلين عام 1884 وبدأت الدول الاستعمارية تقتسم أراضي القارة السمراء، وكانت رواندا في البداية تحت الاستعمار الألماني.
لا يكاد يشك أحد من الروانديين في الدور الذي لعبه الاستعمار بالتحضير للإبادة، حتى الرئيس بول كاغامي الذي تحدث عن دور الفترة الاستعمارية في إذكاء الصراعات في القارة السمراء.
دور الاستعمار في التقسيم العرقي
- الاستعمار الألماني: عبث بالتركيبة السكانية، ودعم جماعات في مواجهة أخرى، وقام بدراسات "جينية وعرقية" للتمييز بين الناس.
- الاستعمار البلجيكي: روّج لتفوق التوتسي على الهوتو، وقنّن الفرز بين السكان على أساس الثروة (الماشية)، وقدم بطاقات هوية تفرق بينهما.
- ممارسات عنصرية: استخدم المستعمر أدوات لقياس طول عظام الوجه وقطر الرأس وشكل الأنف لتحديد الأعراق وتقسيم الناس.
اعتمد المستعمر البلجيكي على الأقلية الإقطاعية المالكة للأرض من التوتسي مقابل استعباد أغلبية الهوتو.
ثورة الهوتو الكبرى وتصاعد التوتر
قامت ثورة "الهوتو الكبرى" في نهاية الخمسينيات ضد الاستعمار والأقلية المستبدة، مما دفع البلجيك إلى التضحية بحلفائهم التوتسي لصالح الوافد الجديد، وهرب نتيجتها نحو 100 ألف توتسي خارج البلاد.
منح المستعمر البلجيكي الهوتو السيطرة على الكنيسة، فأصدروا أول صحيفة باسم "كينا ماتيكا" تحت إشراف الكنيسة الكاثوليكية، واستخدمت للتحريض على التوتسي والتشكيك في مواطنتهم.
عمّقت الصحيفة الهوة بين مكونات رواندا الاجتماعية، فصوّرت الهوتو على أنهم أصحاب البلاد بينما صوّرت التوتسي على أنهم "أجانب وافدون" وإقطاعيون جاؤوا غزاة من خارج البلاد.
سلسلة من الصراعات والنزاعات
تصاعدت التوترات بين التوتسي والهوتو، وشهدت رواندا سلسلة من الأحداث والصراعات منذ عام 1961، حين ألغى الاستعمار البلجيكي النظام الملكي، وبعدها بعام أعلن استقلال البلاد. أدت تلك النزاعات إلى مقتل وتشريد عشرات الآلاف من الروانديين.
بين عامي 1963 و1967 عاد الآلاف من التوتسي إلى رواندا، لكنهم تعرضوا لمجازر كبيرة راح ضحيتها نحو 20 ألف شخص، فضلا عن تهجير نحو 300 ألف من ديارهم.
التحريض الإعلامي ودور "إذاعة الألف تل"
سيطر الهوتو على السلطة وزاد التحريض على التوتسي، خصوصا مع صعود الرئيس جوفينال هابياريمانا إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1973.
نجحت مليشيات الهوتو في توجيه عصابات القتل الشبابية المعروفة بـ"إنترا هاموي" لاستهداف التوتسي، وصورت التوتسي على أنهم يملكون ثروات البلاد وأنهم "الأعداء والأشرار الذين يجب قتلهم".
يشير تقرير نشرته الجزيرة نت إلى الدور الذي لعبته الصحف وإذاعة "الألف تل" في الإبادة، وكيف استغلت للتحريض على أقلية التوتسي في ظل حكم الهوتو.
أدوات التحريض الإعلامي
- إذاعة "آر تي إل إم": بثت أغاني الفخر التي تمجد الهوتو وتصف التوتسي بالأعداء.
- صحيفة "كينا ماتيكا": نشرت قوائم بأسماء وعناوين الشخصيات المستهدفة، ووصفهم بأنهم متواطئون مع الجبهة الوطنية المعارضة.
- الوصايا العشر للهوتو: دعت إلى عدم الزواج أو المعاشرة أو التجارة أو الثقة بالتوتسي.
أكدت بعثات المنظمات الدولية والإقليمية إلى رواندا في عام 1993 أن البلاد تشهد انتهاكات جسمية ومنظمة ضد المدنيين، وأن فرق الموت تتحرك في العلن، في حين يتم التحريض على القتل عبر أمواج الإذاعة.
الجبهة الوطنية الرواندية وصعود كاغامي
فور إعلان يوري موسيفيني رئيسا لأوغندا في عام 1986 تم تعيين كاغامي رئيسا للاستخبارات العسكرية الأوغندية.
بعد نجاحه في أوغندا، وجه كاغامي نظره واهتمامه نحو وطنه رواندا، فأسس مع زميله فريد رويجياما وعدد من قادة التوتسي الروانديين المنفيين الجبهة الوطنية الرواندية.
في بداية أكتوبر/تشرين الأول 1990 بدأت الجبهة في مهاجمة المدن الحدودية الرواندية، وتمكن عناصر الجبهة من دخول رواندا عام 1991 في هجوم قتل فيه زعيمهم رويجياما.
وبعد صراع كاد يُودي بوحدة الجبهة، عين موسيفيني بول كاغامي زعيما جديدا لها، فأعاد تنظيم الجبهة ثم عاود الهجوم مرة أخرى، ووصل قرب العاصمة كيغالي.
مفاوضات أروشا واتفاق السلام
بعد هجمات متتالية، إضافة إلى جهود الأمم المتحدة ووساطة زعيم الهوتو باستور بيزيمونغو وضغوط الحكومة الفرنسية، وافق نظام هابياريمانا إلى الجلوس مع الجبهة في مفاوضات سميت "مفاوضات أروشا".
استمرت المفاوضات بين عامي 1991 و1993 وقاد كاغامي وفد الجبهة، في غضون ذلك كانت العاصمة كيغالي تشهد اغتيالات استهدفت سياسيين وناشطين اشتهروا بمواقفهم المؤيدة للمصالحة الوطنية والتعايش بين الهوتو والتوتسي.
حققت المفاوضات تقدما باتجاه تسوية سياسية تضمن عودة التوتسي إلى رواندا وتمتعهم بحقوقهم المدنية ووقّعت الحكومة مع الجبهة الوطنية اتفاق "أروشا" للسلام عام 1993، وأشرفت عليه منظمة الوحدة الأفريقية ورئيسا الولايات المتحدة وفرنسا.
نصت بنود الاتفاقية على منح الجبهة الوطنية الرواندية حق المشاركة في الجمعية الوطنية، وغيرها من الامتيازات، مقابل تخلي الجبهة عن سلاحها وقبولها دمج مقاتليها في الجيش الوطني، لكن بنود هذه الاتفاقية لم تطبق بشكل فعلي.
ورغم عدم التوصل إلى سلام مستقر وشامل، تم إرسال بعثة لحفظ السلام من الأمم المتحدة للمساعدة في رواندا، وفي المقابل، بلغت موجة التحريض على التوتسي بحلول مارس/آذار 1994 أوجَها.
شرارة الإبادة: اغتيال الرئيس هابياريمانا
في السادس من أبريل/نيسان


اترك تعليقاً