ريماس بين الركام: حكاية هدم المنازل في القدس وصراع البقاء فوق الأنقاض

ريماس بين الركام: حكاية هدم المنازل في القدس وصراع البقاء فوق الأنقاض

ريماس بين الركام: حكاية هدم المنازل في القدس وصراع البقاء فوق الأنقاض

هل يمكن لجرافة صماء أن تقتلع جذوراً نبتت في الأرض قبل أحد عشر عاماً؟ في فجر يوم أربعاء حزين، استيقظت بلدة جبع شمالي القدس على وقع جنازير الآليات التي لم تأتِ لتعمر، بل لتمحو أثراً من الوجود. قصة الطفلة ريماس سلطان ليست مجرد مشهد عابر، بل هي تجسيد حي لظاهرة هدم المنازل في القدس التي باتت تستهدف الحجر والشجر والبشر بذرائع قانونية واهية.

فجرٌ مثقلٌ بالحديد: كيف يباغت الهدم أحلام المقدسيين؟

بينما كان المواطن زياد سلطان يمني النفس بيوم هادئ، طوقت جرافتان من الحجم الكبير وجنود مدججون بالسلاح منزله المكون من طابقين. لم تكن العملية مجرد هدم لجدران أسمنتية، بل كانت تقويضاً لمصدر رزق يعيل عائلات بأكملها؛ حيث التهمت الجرافات مشغلاً لدهان الأثاث المنزلي، محولةً تعب السنين إلى ركام في لحظات خاطفة.

يروي توفيق توام، أحد العاملين في المشغل، أن الاحتلال استعان بعمال لمنع أصحاب المكان من إنقاذ أثاثهم وبضائعهم، في مشهد يعكس قسوة الإجراءات الميدانية. لقد كان الهدم شاملاً، طال المنزل والمشغل والأسوار، وحتى بئر الماء الذي يروي عطش الأرض، وشجرة وحيدة أبى سائق الجرافة إلا أن يعود ليقتلعها، وكأنه يطارد الحياة في أصغر صورها.

لغة الأرقام: إحصائيات الهدم في قلب القدس

خلف كل حجر منهار إحصائية رسمية توثق حجم المأساة. تشير معطيات محافظة القدس إلى تصاعد خطير في وتيرة استهداف المنشآت الفلسطينية، ويمكن تلخيص واقع الحال خلال الأشهر الأخيرة في النقاط التالية:

  • حصاد شهر مايو/أيار: تم رصد 84 عملية هدم وتجريف في القدس، شملت منازل ومنشآت تجارية وصناعية.
  • الهدم القسري: من بين تلك العمليات، أُجبر 21 مواطناً على هدم ممتلكاتهم بأيديهم (الهدم الذاتي) لتجنب غرامات الاحتلال الباهظة.
  • الحصيلة السنوية: منذ بداية عام 2024، تجاوز عدد المنازل والمنشآت المهدومة في القدس حاجز الـ 200 منشأة.
  • سياسة الإخطارات: في بلدة جبع وحدها، تلقى ربع منازل ومنشآت البلدة إخطارات بالهدم بذريعة عدم الترخيص.

تأتي هذه العمليات رغم استيفاء المواطنين للإجراءات القانونية، كما حدث مع زياد سلطان الذي دفع غرامة قدرها 10 آلاف شيقل قبل أسبوع واحد فقط من هدم منزله الذي شيده قبل 11 عاماً، مما يكشف عن استراتيجية استنزاف مادي تسبق الهدم الفعلي.

حقيبة ريماس: فلسفة البراءة في مواجهة الدمار

وسط هذا الركام، وقفت الطفلة ريماس سلطان تنظر بذهول إلى ملاذها الذي استحال تراباً. بكت ريماس وهي تردد: "انهدت الدار"، لكنها في غمرة الفقد، احتضنت حقيبتها المدرسية وألعابها التي نجحت في إخراجها قبل أن يطبق السقف على ذكرياتها.

هذه الحقيبة ليست مجرد وعاء للكتب، بل هي رمز للإصرار على التعلم والبقاء رغم محاولات التشريد. إنها الرسالة التي يبعثها المقدسي من فوق أنقاض منزله: أن الأدوات قد تُدمر، لكن الإرادة تظل عصية على الاقتلاع.

خاتمة: الحجر يرحل والجذور باقية

إن سياسة هدم المنازل في القدس قد تنجح في تغيير ملامح الجغرافيا مؤقتاً، لكنها تفشل دوماً في محو التاريخ من صدور أصحابه. وكما أكد العاملون في مشغل عائلة سلطان، فإن الصمود ليس خياراً بل هو قدر؛ حيث يعتزمون استبدال ما أتلف ومواصلة العمل من قلب الحطام. تظل حكاية ريماس شاهداً على عصر يُهدم فيه البيت ليبقى الوطن حياً في حقيبة مدرسية ودمعة طفلة لم تنكسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *