تشهد الساحة الإيرانية حالة من الغليان الشعبي المتصاعد، حيث انطلقت شرارة احتجاجات واسعة من قلب أسواق طهران و"بازاراتها" العريقة، لتتمدد سريعاً وتتحول إلى حراك وُصف بأنه الأضخم والأكثر تأثيراً منذ أحداث عام 2022. هذا الحراك، الذي دخل يومه الثاني عشر، لم يعد مجرد صرخة عابرة، بل تحول إلى مشهد معقد تتداخل فيه الأزمات المعيشية مع الطموحات السياسية، وسط ترقب دولي مشحون.
من لقمة العيش إلى سقف السياسة: تطور رقعة الاحتجاجات
بدأت التظاهرات بمطالب اقتصادية بحتة، مدفوعة بالانهيار المتسارع في قيمة العملة المحلية وتردي الأوضاع المعيشية التي أثقلت كاهل المواطن الإيراني. ومع ذلك، لم يلبث هذا الغضب أن تجاوز حدود المطالب المادية، لينتقل إلى شعارات سياسية طالت هيكل النظام، حيث وثّق ناشطون عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد حية لاتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل محافظات ومدن إيرانية كبرى، قوبلت بموجة اعتقالات طالت من وصفتهم السلطات بـ "مثيري الشغب".
الموقف الرسمي: بين لغة الحوار وصرامة المبادئ
في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، تبنت السلطات الإيرانية خطاباً مزدوجاً:
- الرئيس مسعود بزشكيان: دعا إلى ضرورة ضبط النفس وفتح قنوات للحوار، مؤكداً على أهمية الإصغاء لمطالب المحتجين المشروعة لاحتواء الموقف.
- المرشد الأعلى علي خامنئي: شدد على وحدة الصف الوطني في مواجهة ما وصفهم بـ "الأعداء"، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية لن تتراجع عن مبادئها ولن تسمح بفتح المجال للعمالة الأجنبية أو التدخلات الخارجية.
العامل الدولي ودخول ترامب على خط الأزمة
دخلت الولايات المتحدة بقوة على خط الأحداث من خلال تصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي وجه تحذيرات شديدة اللهجة للسلطات الإيرانية من مغبة استخدام العنف ضد المتظاهرين، مهدداً باتخاذ إجراءات "قاسية" في حال استمرار القمع، وهو ما زاد من حدة التوتر وزاد من تعقيد المشهد الداخلي.
انقسام في الشارع الرقمي: كيف قرأ الناشطون المشهد؟
كشفت منصات التواصل الاجتماعي عن تباين حاد في وجهات النظر حول طبيعة هذه الاحتجاجات وأهدافها، ويمكن تلخيص هذه الآراء في عدة اتجاهات:
- التخوف من الاستغلال الخارجي: حذر بعض المغردين من أن دخول أطراف مثل إسرائيل والولايات المتحدة على الخط قد يجهض مطالب الشعب، حيث يرى البعض أن تصريحات ترامب قد تدفع المحتجين للتراجع خوفاً من أن تُحسب حركتهم لصالح أجندات خارجية.
- الأولوية للاقتصاد: ذهب قطاع من المتابعين إلى أن المحرك الأساسي هو "مستوى المعيشة"، مؤكدين أن المواطن في أي مكان في العالم يهمه استقرار وضعه الاقتصادي قبل أي توجه سياسي، وهو ما يفسر زخم المظاهرات الحالية.
- الوعي الوطني والفرز السياسي: شدد آخرون على أن المظاهرات موجهة ضد أداء الحكومة الاقتصادي وليس ضد النظام ككل، معتبرين أن الشعب الإيراني يمتلك الوعي الكافي لعدم الوقوع في فخ الفوضى أو التبعية للخارج.
- دعوات للتهدئة: برزت أصوات تنادي بتأجيل الخلافات الداخلية والالتفاف حول القيادة في الوقت الراهن لتجاوز المخاطر الخارجية المحدقة بالبلاد.
التوقيت الحرج.. هل تنجح طهران في الاحتواء؟
يرى مراقبون أن إيران تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية واحتوائها، إلا أن التوقيت الحالي يفرض تحديات غير مسبوقة. فالعقوبات الدولية المشددة والظروف الجيوسياسية المتوترة تجعل من هذه الموجة اختباراً حقيقياً لقدرة النظام على الموازنة بين الحفاظ على الاستقرار الداخلي والاستجابة للضغوط الاقتصادية المتزايدة، في ظل تربص دولي يبحث عن أي ثغرة للنفاذ إلى الداخل الإيراني.


اترك تعليقاً