دخلت إيران منعطفاً حرجاً مع استمرار التظاهرات الشعبية لليوم السادس على التوالي، حيث بدأت رقعة الاحتجاجات تتسع جغرافياً وسياسياً، متجاوزةً الشعارات المطلبية المتعلقة بغلاء المعيشة لتصل إلى مناداة مباشرة بتغيير سياسي جذري. هذا التصعيد الميداني تزامن مع حرب تصريحات إقليمية ودولية وضعت النظام الإيراني أمام اختبار هو الأصعب في ظل ظروف إقليمية معقدة.
تصعيد ميداني: من "رغيف الخبز" إلى شعارات التغيير
شهدت الساعات الأخيرة تحولاً لافتاً في زخم الاحتجاجات، حيث لم تعد تقتصر على المدن الكبرى بل امتدت لتشمل أحياءً شعبية ومناطق حيوية:
- اتساع الرقعة الجغرافية: رُصدت تظاهرات في العاصمة طهران (حي نزي آباد)، بالإضافة إلى مدن قم، مشهد، مرودشت، وهمدان.
- سقوط ضحايا: أفادت تقارير حقوقية صادرة عن منظمة "هنجاو" بمقتل ما لا يقل عن 10 أشخاص واعتقال العشرات، وسط أنباء عن مواجهات عنيفة في بعض النقاط.
- تطور الشعارات: انتقل المتظاهرون من الاحتجاج على انهيار قيمة الريال الإيراني إلى ترديد شعارات سياسية مناهضة لنظام الحكم، مما يعكس حالة من الإحباط الشعبي العميق.
الموقف الرسمي: تحذيرات من "الخط الأحمر" والتدخل الخارجي
قابلت القيادة الإيرانية هذه التطورات بلهجة حازمة، محذرة من أي محاولات لاستغلال الحراك الشعبي لزعزعة الاستقرار:
- عباس عراقجي (وزير الخارجية): وصف تصريحات الرئيس الأمريكي بأنها "غير مسؤولة"، مؤكداً أن القوات المسلحة في جاهزية تامة للرد على أي انتهاك للسيادة.
- علي لاريجاني (رئيس مجلس الأمن القومي): حذر من أن التدخل الأمريكي سيهدد مصالح واشنطن في المنطقة، معتبراً أن المواقف الإسرائيلية والأمريكية كشفت "الأجندات الحقيقية" خلف الاحتجاجات.
- علي شمخاني (مستشار المرشد): شدد على أن الأمن القومي "خط أحمر"، متوعداً بقطع أي يد تمتد للعبث بأمن البلاد.
العامل الخارجي: ترامب يدخل على خط الأزمة
لم يتأخر الرد الأمريكي، حيث أبدى الرئيس دونالد ترامب دعماً صريحاً للمتظاهرين، محذراً طهران من استخدام القوة المفرطة. وتعهد ترامب بتوفير الحماية للمشاركين في الاحتجاجات، وهو ما اعتبرته طهران تحريضاً مباشراً وتدخلاً في شؤونها الداخلية.
على صعيد المعارضة في الخارج، دعا "رضا بهلوي" إلى حراك واسع في العاصمة طهران وإغلاق الطرق الرئيسية، إلا أن المحللين يشيرون إلى انقسام المعارضة الخارجية وتشتتها، مما يجعل تأثيرها على الأرض محل تساؤل.
السياق الإقليمي والضغوط العسكرية
لا يمكن فصل ما يحدث في الشارع الإيراني عن المشهد الإقليمي المتفجر، حيث تأتي هذه الاحتجاجات في وقت تواجه فيه طهران ضغوطاً غير مسبوقة:
- انحسار النفوذ: بعد التغييرات الكبيرة في سوريا وسقوط نظام الأسد، فقدت طهران ركيزة أساسية في محورها الإقليمي.
- الضربات العسكرية: تعرضت إيران خلال الأشهر الماضية لضربات استهدفت قيادات في الحرس الثوري ومنشآت نووية وبرامج صاروخية.
- الملف الصاروخي: في ظل المطالبات الدولية لتقييد برنامجها البالستي، أكد وزير الدفاع الإيراني "عزيز ناصر زاده" أن القوة الصاروخية لبلاده غير قابلة للتفاوض، واصفاً إياها بـ "درع البلاد" الذي لا يمكن المساس به.
اعتراف حكومي بالأزمة الاقتصادية
في خطوة لامتصاص الغضب، أقر الرئيس الإيراني "مسعود بزشكيان" بمسؤولية الحكومة عن الأزمات المعيشية، داعياً المسؤولين إلى عدم إلقاء اللوم بالكامل على الجهات الخارجية. ويرى مراقبون أن هذا الاعتراف يعكس حجم المأزق الذي تعيشه الحكومة في موازنة الضغوط الاقتصادية مع الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.
الخلاصة: تضع هذه الاحتجاجات النظام الإيراني بين فكي كماشة؛ فمن جهة يضغط الشارع المنهك اقتصادياً، ومن جهة أخرى تتزايد الضغوط الدولية والعسكرية. الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان النظام سيحتوي الأزمة عبر إصلاحات اقتصادية، أم سيلجأ إلى القبضة الأمنية المشددة لمواجهة ما يراه "مؤامرة خارجية".


اترك تعليقاً