صراع الميدان والسياسة: لماذا ترفض أسعار النفط والغاز الاستقرار؟
تشهد أسواق الطاقة العالمية حالة من الارتباك الشديد، حيث تتأرجح أسعار النفط والغاز بين التصريحات السياسية المتفائلة والتطورات الميدانية المتصاعدة في المنطقة. فبينما تحاول القوى الكبرى تهدئة الأسواق، تفرض لغة النيران واقعاً مختلفاً على الأرض.
تضارب التصريحات وهشاشة الأسواق
أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب موجة من التفاؤل الحذر حين أشار إلى وجود "فرص واعدة" لاتفاق مع إيران، مما أدى فوراً إلى تراجع أسعار النفط بنسبة 14%. ومع ذلك، سرعان ما تبخرت هذه المكاسب وعاودت الأسعار الارتفاع بنسبة 3.6% لتصل إلى 103 دولارات للبرميل فور نفي طهران وجود مفاوضات مباشرة.
وتعكس هذه التقلبات الحادة حقيقة أن الأسواق باتت تنظر إلى الميدان أكثر من التصريحات السياسية، حيث ارتفعت الأسعار إجمالاً بنسبة تتراوح بين 40% و45% منذ اندلاع الأزمة.
استهداف المنشآت الحيوية: ضربة في قلب الإمدادات
لم تقتصر الأزمة على التصريحات، بل امتدت لتشمل استهدافاً مباشراً للبنية التحتية للطاقة، وهو ما عزز المخاوف من نقص الإمدادات:
- حقل فارس الجنوبي: إعلان إيران وقف تصدير الغاز إلى تركيا عقب استهداف منشآت في هذا الحقل العملاق.
- أصفهان وخرمشهر: تعرضت مباني إدارة الغاز ومحطات خفض الضغط وخطوط أنابيب رئيسية لهجمات ميدانية.
- مضيق هرمز: تزايدت المخاوف من تعطل الملاحة في المضيق الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، وسط تقييدات إيرانية واضحة لحركة السفن.
تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية
لم تكن أسعار الخام والغاز هي المتضرر الوحيد، بل طالت الأزمة قطاع النقل البحري بشكل مباشر:
- ارتفع سعر ناقلة النفط الواحدة من 175 مليون دولار إلى 190 مليون دولار.
- بلغت تكلفة تأجير الناقلة نحو نصف مليون دولار شهرياً.
- رصدت حركة الملاحة مسارات حذرة للناقلات الصينية والهندية قرب السواحل الإيرانية، مما يوحي بتنسيق أمني عالي المستوى.
مخزونات الطوارئ: هل تكفي لمواجهة الأزمة؟
مع تقدير الفاقد اليومي من السوق بنحو 15 مليون برميل، بدأت الدول الصناعية الكبرى (عبر وكالة الطاقة الدولية) التفكير جِدياً في السحب من مخزوناتها الإستراتيجية. وتتوزع الاحتياطيات الحالية كالتالي:
- الولايات المتحدة: 415 مليون برميل.
- اليابان: 260 مليون برميل.
- فرنسا وألمانيا: حوالي 230 مليون برميل مجتمعة.
وعلى الرغم من ضخامة هذه الأرقام، إلا أن الخبراء يحذرون من أن السحب المتكرر يشير إلى عمق الأزمة، خاصة وأن الكميات المفرج عنها سابقاً قد لا تكفي لأكثر من شهرين في ظل استمرار التوترات.
رؤية الخبراء: عد تنازلي نحو المجهول
يرى خبراء الطاقة أن السوق حالياً يتحرك بعاملين: المشاعر المرتبطة بالتصريحات، والنقص الفعلي في الإمدادات. ولولا التدخلات الكلامية لتهدئة الأسواق، لربما تجاوز سعر البرميل حاجز الـ 150 دولاراً. ومع اقتراب نهاية الأسبوع، تترقب الأسواق التأثيرات الحقيقية التي قد تمتد لأشهر أو سنوات في حال تعرضت حقول الطاقة لأضرار هيكلية جسيمة.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً