مقدمة: في رحاب الشكر والامتنان
إنَّ مَقامَ الشُّكرِ من أرفعِ مَقاماتِ السَّالكينَ إلى اللهِ عز وجل، وهو القيدُ للنِّعمِ الموجودةِ والصَّيدُ للنِّعمِ المفقودةِ. ولما كان العبدُ يتقلبُ في آلاءِ ربهِ ليلَ نهارَ، شرعَ اللهُ سبحانه وتعالى لهُ مسالكاً للتعبيرِ عن هذا الامتنانِ، ومن أجلِّها سجود الشكر؛ تلك السجدةُ التي يخرُّ فيها المؤمنُ لربهِ خاضعاً عند تجددِ نعمةٍ أو اندفاعِ نقمةٍ، تعبيراً عن اعترافِ القلبِ بفضلِ المنعمِ جلَّ جلاله.
مشروعية سجود الشكر وفضله في السنة النبوية
لقد استقرَّ قولُ جمهورِ الفقهاءِ على استحبابِ التوجهِ إلى اللهِ عز وجل بـ سجود الشكر عند حدوثِ ما يسرُّ المرءَ. وفي هذا الصددِ، يقولُ الشيخ عطية صقر، رئيسُ لجنةِ الفتوى بالأزهرِ الشريفِ سابقاً:
«أجمعَ جمهورُ فقهاءِ المسلمينَ على جوازِ أداءِ سجود الشكر للهِ عز وجل تعبيراً عن الامتنانِ لما يمنُّ بهِ على الإنسانِ من نعمٍ، سواءٌ كانت ظاهرةً أو باطنةً. وهذا السجودُ صورةٌ من صورِ الشكرِ، ولا يتكونُ إلا من سجدةٍ واحدةٍ فقط».
وقد تضافرت الأدلةُ النبويةُ على هذا الفعلِ الكريمِ، ومنها:
- ما رواه أبو بكرة رضي الله عنه: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا أتاهُ أمرٌ يسُرُّهُ أو بُشِّرَ بهِ خرَّ ساجداً شكراً للهِ تعالى» (رواهُ أبو داود وابن ماجه والترمذي).
- ما رواه البيهقيُّ: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سجدَ للهِ عز وجل حينَ جاءهُ الخبرُ بإسلامِ قبيلةِ همدان».
- ما رواه أحمدُ والحاكمُ: «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سجدَ حينَ بشَّرهُ جبريلُ عليهِ السلامُ بأنَّ اللهَ عز وجل يُصلي على مَن صلَّى على النبيِّ صلى الله عليه وسلم».
كيفية أداء سجود الشكر عند جمهور الفقهاء
ذهبَ جمهورُ الفقهاءِ إلى أنَّ سجود الشكر يأخذُ حكمَ صلاةِ النافلةِ في شروطِ صِحَّتِهِ، من طهارةِ الثوبِ والبدنِ، واستقبالِ القبلةِ، وسترِ العورةِ. أما عن صفتِهِ الإجرائيةِ، فهي كما يلي:
- النية: استحضارُ نيةِ الشكرِ للهِ سبحانه وتعالى في القلبِ.
- التكبير: يكبّرُ المصلي تكبيرةَ الإحرامِ قائلاً: «الله أكبر».
- السجود: يهوي ساجداً سجدةً واحدةً، يسبّحُ فيها اللهَ ويحمدهُ.
- التسليم: يرفعُ رأسَهُ من السجودِ ثم يُسلّمُ قائلاً: «السلامُ عليكم ورحمةُ الله».
اختلاف الأنظار الفقهية في شروط السجود
لم يخلُ هذا البابُ من سعةِ الفقهِ وتعددِ مشاربِ الاستنباطِ بين الأئمةِ الأعلامِ:
رؤية المدرسة المالكية
يرى علماءُ المالكيةِ أنه لا يوجدُ ما يُسمى بـ سجود الشكر بصفتهِ المنفردةِ، بل المستحبُّ عندهم عند تجددِ النعمِ أو اندفاعِ النقمِ هو صلاةُ ركعتينِ كاملتينِ شكراً للهِ عز وجل.
الرأي القائل بعدم اشتراط شروط الصلاة
وفي مقابلِ قولِ الجمهورِ، ذهبَ فريقٌ من المحققينَ إلى أنَّ سجود الشكر لا تشترطُ له شروطُ الصلاةِ المعهودةِ، وهو ما رُجِّحَ في كتابِ «فتح العلام». وقد فصَّل الإمامُ الشوكانيُّ هذا الرأيَ بقوله:
«ليسَ في أحاديثِ البابِ ما يدلُّ على اعتبارِ الوضوءِ وطهارةِ الثيابِ والمكانِ لسجودِ الشكرِ، وإليهِ ذهبَ الإمامُ يحيى وأبو طالب، ولم يُذكر في تلك الأحاديثِ أيضاً تكبيرٌ في السجودِ».
بينما رأى غيرهم من أهلِ العلمِ ضرورةَ التكبيرِ، مع التأكيدِ على أنَّ هذا السجودَ لا يُؤدى أثناءَ الصلاةِ المفروضةِ لأنه ليسَ من جنسِ أفعالِها الراتبةِ.
خاتمة: الشكرُ لجامُ النعم
إنَّ فقهَ سجود الشكر يفتحُ للمؤمنِ باباً من أبوابِ الوصلِ الدائمِ مع الخالقِ سبحانه وتعالى، ليبقى القلبُ معلقاً بالمنعمِ لا بالنعمةِ. فما أجملَ أن يخرَّ العبدُ ساجداً في لحظةِ فرحٍ، ليعلنَ للعالمينَ أنَّ الفضلَ كلَّهُ للهِ. اللهم اجعلنا من عبادكَ الشاكرينَ، الذاكرينَ لآلائكَ، القائمينَ بحقكَ، وآتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذابَ النارِ.



اترك تعليقاً