سنة التمحيص الإلهية: أسرار الابتلاء في حادثة تحويل القبلة

# سنة التمحيص الإلهية: أسرار الابتلاء وغاياته في حادثة تحويل القبلة

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم التنزيل: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الابتلاء طريقاً للاصطفاء، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، خير من صبّر وشكر، وفوض أمره لله في المنشط والمكره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، عباد الله:

إن المتأمل في ملكوت الله، والناظر في سننه التي لا تتخلف، يجد قانوناً إلهياً مطرداً، حكيماً في غايته، دقيقاً في تفاصيله، إنه قانون “سنة التمحيص”. هذه السنة التي جعلها الله عز وجل ميزاناً يفرق به بين الخبيث والطيب، وبين الصادق والكاذب، وبين من يعبد الله على حرف ومن يعبده بيقين لا تزعزعه الجبال الرواسي.

ما هي سنة التمحيص؟

إن سنة التمحيص ليست مجرد أحداث عابرة، بل هي منظومة من الابتلاءات الدينية والدنيوية التي تهدف إلى تنقية الصفوف. وقد تتخذ هذه السنة أشكالاً شتى، منها:

1. الابتلاء بالأوامر والنواهي: أن يأمرك الله بـ “افعل” أو ينهاك عن “لا تفعل” في وقت قد تتعارض فيه هذه الأوامر مع هوى النفس أو المألوف من العادات.
2. الابتلاء بالتقلبات القدرية: وهي سنة المداولة بين النصر والانكسار، كما قال سبحانه: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين}.
3. الابتلاء بالمصائب الدنيوية: من خوف وجوع ونقص في الأموال والأنفس، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.

إن هذه السنة جارية منذ أن هبط آدم عليه السلام إلى الأرض، وهي باقية ما بقي الليل والنهار، فالله عز وجل يقول: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.

التمحيص: تربية لا عقوبة

يخطئ من يظن أن تمحيص الله لعباده المؤمنين هو نوع من العقاب، بل هو محض التربية والإعداد. إن التمحيص هو:

  • تعديل للمسار: ليعود العبد إلى ربه كلما غفل.
  • رفع للدرجات: فكلما اشتد البلاء وعظم الصبر، زاد القرب من الله.
  • تطهير للقلوب: لإخراج حظوظ النفس والشيطان من سويداء الفؤاد.
  • إعداد للقيادة: فلا يمكن لأمة أن تقود البشرية وهي لم تُختبر صوابيتها وثباتها.
  • يقول الله تعالى: {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}.

    مدرسة الأنبياء والتمحيص

    لقد أعمل الله سنته في صفوة خلقه، فكان الأنبياء هم أشد الناس بلاءً. فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: “الأَنبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمثَلُ فَالأَمثَلُ، فَيُبتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِن كَانَ دِينُهُ صُلبًا اشتَدَّ بَلاؤُهُ، وَإِن كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ”.

    انظروا في سيرهم لتعلموا أن الابتلاء هو طريق الاصطفاء:

  • آدم عليه السلام: ذاق رغد الجنة ثم أُخرج منها تمحيصاً وابتلاءً.
  • نوح عليه السلام: دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومُحص في ولده فلم يُعطَ مراده فيه.
  • إبراهيم الخليل: أُلقي في النار، وأُمر بذبح ولده، فكان نعم الصابر الممتثل.
  • يعقوب ويوسف: فُجع الأب بفقد ولده، وعانى الابن من كيد الإخوة وظلم السجن وفتنة النساء، فكانت العاقبة للمتقين.
  • أيوب عليه السلام: ضُرب به المثل في الصبر على المرض وفقد الأهل والمال.
  • محمد ﷺ: وهو سيد الخلق، ذاق مرارة اليتم، وألم الجوع، وفقد الأحباب، وأذى الأعداء، حتى قال: “لقد أُخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أُوذيت في الله وما يؤذى أحد”.
  • التمحيص في العهد النبوي: محطات فاصلة

    لقد تعرض الجيل الأول، جيل الصحابة الكرام، لهزات زلزلت النفوس ليتضح معدنها:

    1. حادثة الإسراء والمعراج

    حين أخبر النبي ﷺ قريشاً بمسراه، طارت عقولهم تكذيباً، وكان ذلك اختباراً للمؤمنين؛ فمنهم من ازداد يقيناً كأبي بكر الذي قال: “إن كان قال فقد صدق”، ومنهم من لم يتحمل عقله الخبر. وفي ذلك قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ}.

    2. يوم أحد

    عندما وقعت المخالفة لأمر الرسول ﷺ، حلت الهزيمة وقتل سبعون من خيار الصحابة. كان التمحيص هنا لتنقية الصف من المنافقين، ولتعليم المؤمنين أن النصر مقرون بالطاعة، قال تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين}.

    3. يوم الأحزاب

    حين بلغت القلوب الحناجر، وزاغت الأبصار، وظن الناس بالله الظنونا، كان ذلك زلزالاً شديداً ميز الصادق الذي قال: {هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} من المنافق الذي قال: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}.

    تحويل القبلة: الاختبار الأعظم في شعبان

    وفي شهر شعبان من العام الثاني للهجرة، نزل الأمر الإلهي بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. لم يكن هذا مجرد تغيير في الاتجاه الجغرافي، بل كان عملية جراحية دقيقة لفرز الصف المسلم.

    لقد حدد القرآن الغرض بوضوح: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}.

  • موقف المنافقين وضعاف الإيمان: سقطوا في الاختبار، وبدأوا يثيرون الشبهات: “ما ولاهم عن قبلتهم؟”، “لماذا الآن؟”. فكشف الله زيفهم.
  • موقف المؤمنين الصادقين: استجابوا فوراً، سمعنا وأطعنا. وفي مسجد بني سلمة (مسجد القبلتين)، نزل الوحي والنبي ﷺ يصلي بالناس، فاستدار واستداروا معه في الصلاة دون تردد أو سؤال. هذا هو الإيمان الذي لا تشوبه شائبة.

الخطبة الثانية: كيف نواجه الابتلاء؟

أيها الإخوة الكرام، إن سنة التمحيص لا تستثني أحداً، فمن ظن أنه بمنأى عنها فهو واهم. فماذا علينا أن نفعل حين يشتد البلاء؟

1. حفظ اللسان: لا ينبغي للمؤمن أن ينطق بما يسخط الرب، بل يلهج بكلمات الاسترجاع: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
2. الصبر والاحتساب: استشعار الأجر عند الله، فكل ألم أو هم هو كفارة للخطايا.
3. اليقين بالفرج: أن نعلم أن التمحيص مرحلة مؤقتة تعقبها المنحة والتمكين.

عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال: كنت عند رسول الله ﷺ، فأنزلت عليه هذه الآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ}، فشق ذلك على أبي بكر، فقال له النبي ﷺ: “أَمَّا أَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ وَلَيْسَ لَكُمْ ذُنُوبٌ”.

يا عباد الله، إن طريق الجنة حُف بالمكاره، وهو طريق سار فيه الأنبياء قبلك؛ تعب فيه آدم، ونُشر بالمنشار زكريا، وذُبح يحيى، وقاسى الضر أيوب. فلا تجزع من تمحيص الله، فإنه يريد بك خيراً، ويريد أن يطهرك لتلقاه بقلب سليم.

اللهم ارزقنا الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، واجعلنا ممن ينجحون في اختباراتك، ويمحصون فيخرجون منها كذهب خالص. اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *