# سنة تسليط الظالمين: قراءة إيمانية في حكمة الله في كونه
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، القائمِ بالقسط، الناصرِ للمظلومين ولو بعد حين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ، إمامِ المتقين، وقائدِ الغرِّ المحجلين، وعلى آلِه وصحبِه الذين أقاموا موازين العدل في العالمين، وبعدُ:
مقدمة: بصيرة المؤمن في خضم الأحداث
يشهد العالم اليوم أحداثاً كبرى تزلزل الأركان، وتغير خارطة القوى، وتملأ القلوب هيبةً ووجلاً. وفي غمرة هذه التحولات، ينبري المحللون والسياسيون لاستشراف المآلات وتحليل الأسباب المادية، وهو أمرٌ له اعتباره، ولكن المؤمن لا يقف عند حدود الظواهر المادية فحسب. إن المؤمن أبعدُ نظراً وأعمقُ بصيرة؛ فهو يربط ما يقع في ملكوت الله بما أخبر الله عنه في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
إن ما يجري في هذا الكون ليس عبثاً، بل هو جارٍ وفق مقتضى الحكمة الإلهية، ومرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ سنن الله في الظالمين التي لا تحابي أحداً ولا تتخلف أبداً. ومن أعظم ما ينبغي للمؤمن أن يتأمله في هذه الأيام، هو كيف يسوق الله الأقدار ليدفع الظلم بالظلم، ويستأصل شأفة البغاة بأيدي بغاة مثلهم، في مشهدٍ يبعث على الدهشة والاعتبار.
سنة تسليط الظالمين: المشهد العجيب
من الأحداث التي تستدعي وقفة تأمل طويلة، ما سجله التاريخ وما نراه ماثلاً في واقعنا المعاصر، من تسليط الله للظالمين بعضهم على بعض. إنها سنةٌ إلهيةٌ تجعل من بأس الظلمة بينهم سبباً لراحة العباد والبلاد.
لقد أدرك السلف الصالح هذه الحقيقة بعمق، فكانوا ينظرون إلى تقلبات القوى بمنظور التوحيد والعدل الإلهي. يقول الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «إذا رأيت ظالمًا ينتقم من ظالم؛ فقِفْ، وانظر فيه مُتعجّبًا».
وهذا التعجب ليس تعجباً من قدرة الله، فقدرته لا يعجزها شيء، بل هو تعجبٌ من دقة التدبير الإلهي، حيث يُهلك الله الجبارين بأسلحتهم، ويشغلهم بأنفسهم عن المظلومين، ويجعل كيدهم في نحورهم. إن وقوفك متعجباً يعني أن تشهد عظمة الله في إقامة العدل بطرقٍ قد لا تخطر على بال بشر.
التأصيل القرآني لسنة التسليط
إن هذه الوقائع التي يضج بها التاريخ ليست مصادفات عابرة، بل هي تجلٍّ لقول الحق تبارك وتعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِـمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129].
هذه الآية العظيمة هي القاعدة الذهبية في فهم سنن الله في الظالمين. وقد أفاض المفسرون في بيان معانيها العميقة، ومن ذلك ما ذكره الإمام ابن كثير -رحمه الله- حيث قال: «ومعنى الآية الكريمة: كما وَلّينا هؤلاء الخاسرين من الإنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن؛ كذلك نفعل بالظالمين، نُسلّط بعضهم على بعض، ونُهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض؛ جزاء على ظلمهم وبغيهم».
إنها “الولاية”، ولكنها ولاية شقاء وتدمير. فكما تآمر الظالمون على الحق، يولي الله بعضهم بعضاً في الدنيا لتكون نهايتهم على أيدي بعض. ويضيف الإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- بعداً تحذيرياً لهذه السنة بقوله: «هذا تهديدٌ للظالم إن لم يمتنع عن ظلمه؛ سلَّط الله عليه ظالمًا آخر».
فالظلم ظلمات، ومن شؤم الظلم على صاحبه أنه يستجلب عليه من هو أظلم منه وأقسى قلباً، ليكون أداة عذاب له في الدنيا قبل الآخرة.
حكمة الله في قطع دابر الظلم
لماذا يسلط الله الظالمين بعضهم على بعض؟ إن وراء ذلك حِكماً بالغة، منها أن يكون هذا التسليط سبباً لقطع دابر الظلم وتخفيف وطأته عن المستضعفين.
لقد جرت سنة الله أن الظلم لا يدوم، وإن استطال وبغى، فإنه يحمل في طياته بذور فنائه. وكما قيل: “الظلم لا يدوم، وإن دام دَمّر ولو بعد حين”. إن صراع الظالمين فيما بينهم هو في الحقيقة رحمةٌ إلهيةٌ مغلفةٌ بالبلاء، تتجلى فيها حماية الله لعباده المؤمنين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- موضحاً هذا الجانب: «فإذا اقتتل الظالمون، تسلَّط بعضهم على بعض، وكان في ذلك فَرَج للمظلومين».
تأمل في هذا الفرج! فبينما ينشغل الجبابرة بتصفية حساباتهم، وتدمير قواهم، يفتح الله للمظلومين أبواباً من النجاة لم تكن في حسبانهم. إنها استجابة الله لدعوات المقهورين الذين ليس بينهم وبين الله حجاب، فيصرف الله عنهم كيد الكائدين بأن يشغل الكائدين ببعضهم.
الفكر الإيماني والحكمة في القدر
يجب على المؤمن أن يكون على يقين تام بأن لله الحكمة البالغة في كل ما يقدره في هذا الكون، سواء في شرعه أو في قدره. قد يبدو المشهد الخارجي مؤلماً أو فوضوياً، لكن عين البصيرة ترى إحكام الصنع الإلهي.
يقول الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه الجواب الكافي: «ومن له فطنة إذا سافر بفِكْره في هذا الباب رأى الحكمة الإلهية سائرة في القضاء والقدَر ظاهرة وباطنة فيه، كما في الخلق والأمر سواء، فإياك أن تظن بظنّك الفاسد أن شيئًا من أقضيته وأقداره عارٍ عن الحكمة البالغة، بل جميع أقضيته تعالى وأقداره واقعة على أتمّ وجوه الحكمة والصواب».
إن إدراك هذه الحقيقة يسكب السكينة في قلب المؤمن، فلا ييأس من روح الله، ولا يظن أن الباطل قد ملك زمام المبادرة للأبد. إن الله يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وما تسليط الظالم على الظالم إلا فصلٌ من فصول العدل الإلهي الذي يمهد الطريق لظهور الحق.
التحذير النبوي: الإملاء ثم الأخذ الأليم
إذا رأيت بطش الظالمين وقهرهم للمظلومين قد طال وامتد، وأصابك شيء من الحيرة أو اليأس، فلا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون. إن الله يمهل ولا يهمل، ويمتلك موازين القسط التي لا تجور.
لقد لخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه السنة في كلمات جامعة مانعة، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يُفلته»، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم مؤكداً هذا المعنى من القرآن الكريم: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: ١٠٢].
هذا الإملاء هو استدراج من الله تعالى، حيث يفتح للظالم أبواب كل شيء، ويزيد في قوته وتمكينه، حتى إذا ظن أنه قد قدر على كل شيء، جاءه أخذ الله بغتة وهو لا يشعر. وتكون وسيلة هذا الأخذ أحياناً هي تسليط ظالم آخر، فيكون العذاب من جنس العمل، والجزاء وفاقاً لما قدمت يداه.
رسالة إلى كل مكروب ومظلوم
إن فهمنا لـ سنن الله في الظالمين يجب أن يثمر في نفوسنا ثباتاً ويقيناً.
1. الثقة بوعد الله: اعلم أن الله هو الحكم العدل، وأنه لا يرضى بالظلم لعباده، وأن تدبيره يفوق تدبير البشر.
2. الاعتبار بالتاريخ: انظر في سير الأمم السابقة، كيف أهلك الله الفراعنة والجبابرة ببعضهم، وكيف جعل بأسهم بينهم شديداً.
3. اليقين بالحكمة: حتى في لحظات الانكسار، تذكر كلام ابن القيم أن أقدار الله واقعة على أتم وجوه الحكمة.
4. الدعاء واللجوء: إن كان الله يسلط الظالمين على بعضهم فرجاً للمظلومين، فإن مفتاح هذا الفرج هو صدق اللجوء إلى الله.
ختاماً، إن سنة الله في تسليط الظالمين بعضهم على بعض هي آية للمتوسمين، وعبرة للمعتبرين، وبشرى للمؤمنين الصابرين. فسبحان من بيده ملكوت كل شيء، وسبحان من يقهر الجبابرة بجبروتهم، وينصر الضعفاء بقدرته.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعلنا من الظالمين، وانصر عبادك المستضعفين في كل مكان، يا رب العالمين.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً