سنة مهجورة: أسرار تأخير السحور وفضل الدقائق الأخيرة قبل الفجر

# هدي المصطفى ﷺ في بركة السحور: أسرار الدقائق الغالية قبل الفجر

الحمد لله الذي جعل في الصيام جنة، وفي اتباع السنة نجاة ورفعة، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين، وقدوة للمتقين، نبينا محمد الذي علمنا أن في كل طاعة سراً، وفي كل عبادة نوراً، وعلى آله وصحبه الذين اقتفوا أثره فكانوا خير أمة أخرجت للناس.

إن المتأمل في تفاصيل حياة النبي ﷺ يجد أن كل حركة وسكون، وكل طعام وشراب، كان محاطاً بسياج من الحكمة والبركة. ومن أعظم هذه الشعائر التي قد يغفل البعض عن دقائق سننها هي “أكلة السحر”، أو ما يعرف بالسحور، وتحديداً تلك السنة المهجورة في “تأخير السحور” إلى قبيل بزوغ الفجر الصادق.

بركة السحور: أكثر من مجرد طعام

السحور ليس مجرد وجبة غذائية لتقوية البدن على الجوع، بل هو عبادة جليلة تحمل في طياتها معاني التعبد والامتثال. لقد سماه النبي ﷺ “الغداء المبارك”، وأمرنا به ولو بجرعة ماء. ولكن الحكمة تكتمل حين نتحرى الوقت الذي كان يختاره النبي ﷺ لهذا السحور.

إن السحور في جوهره هو استجابة لأمر الله، وتمييز لصيام المسلمين عن صيام أهل الكتاب، وهو وقت تنزل الرحمات واستجابة الدعوات. فكيف إذا اجتمع مع هذه البركة اتباع دقيق لهدي النبي ﷺ في توقيت هذا السحور؟

تأصيل السنة من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه

لنقف وقفة تأمل وإجلال أمام هذا النص النبوي الشريف الذي نقله لنا خادم النبي ﷺ، أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث يروي لنا مشهداً حياً من بيت النبوة، يجسد الحرص على السنة.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ وزيد بن ثابت تسحّرا، فلما فرغا من سحورهما قام نبي الله ﷺ إلى الصلاة فصلّى. قلنا لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية. (رواه البخاري).

هذا الحديث ليس مجرد إخبار عن واقعة، بل هو تشريع عملي يوضح لنا الغاية من السحور ووقته الأفضل. إن سؤال التابعين لأنس رضي الله عنه عن “القدر الزمني” يدل على شغف السلف بمعرفة أدق تفاصيل عبادة النبي ﷺ ليقتدوا بها.

التحليل الزمني لـ “خمسين آية”: دقة المنهج النبوي

حين قال أنس رضي الله عنه “قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية”، لم يكن يقصد القراءة السريعة الهذّة، ولا القراءة البطيئة المتثاقلة، بل كما قال شراح الحديث: “يعني في قراءة متوسطة لا سريعة ولا بطيئة”.

ولكي نقرب هذه الصورة لأذهاننا في عصرنا الحالي، اجتهد العلماء في تقدير هذا الوقت بالدقائق:
1. تقدير الحافظ ابن حجر: ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه العظيم “فتح الباري” أن هذه المدة توازي “قدر ثلث خمس ساعة”، وهي حسبة دقيقة تدل على قرب السحور جداً من أذان الفجر.
2. تقدير الشيخ ابن عثيمين: رحل الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في رحاب هذا الحديث، وقرر أن يختبر ذلك بنفسه قراءةً وتطبيقاً، فقال: “قرأتها فبلغت نحو ست دقائق”.

تخيل يا أخي الصائم، أن النبي ﷺ كان يفرغ من طعامه وشرابه قبل الصلاة بست دقائق فقط! هذا يعني أن السحور النبوي كان في منتهى التأخير، ملتصقاً بوقت العبادة، ليكون عوناً مباشراً عليها.

الحكمة من استحباب تأخير السحور جداً

لماذا شرع لنا الإسلام تأخير السحور إلى هذا الوقت الحرج قبيل الفجر؟ إن في ذلك حكمًا بالغة وأسرارًا تربوية وصحية:

أولاً: تحقيق مقصود السحور

المقصود من السحور هو تقوية الصائم وتخفيف مشقة الصيام عنه. فكلما تأخر السحور، قلّت فترة الجوع في نهار رمضان، مما يحافظ على نشاط المسلم وقدرته على أداء مهامه الدنيوية وعباداته الدينية دون خمول أو كسل.

ثانياً: إدراك وقت السحر

تأخير السحور يضمن للمسلم أن يكون مستيقظاً في وقت السحر، وهو الثلث الأخير من الليل، حيث يتنزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، فيقول: “هل من داعٍ فأستجيب له؟”. فالمتسحر في هذا الوقت يجمع بين عبادة الأكل بنية التقوي، وعبادة الدعاء والاستغفار.

ثالثاً: ضمان صلاة الفجر في وقتها

من يتسحر مبكراً ثم ينام، قد تغلبه عيناه فتفوته صلاة الفجر في جماعة، أو يخرج وقتها. أما من يتبع السنة بتأخير السحور، فإنه يظل مستيقظاً حتى يؤدي الفريضة، وبذلك يحمي صيامه بصلاته.

وقفات وعظية: هل نحن على خطى الحبيب؟

يا باغي الخير، ويا من ترجو مرافقة النبي ﷺ في الجنة، إن المحبة ليست مجرد كلمات تُقال، بل هي اتباع في الدقيق والجليل. إن البعض اليوم يبتدع ما يسمى بـ “وقت الإمساك”، فيتوقف عن الطعام قبل الأذان بثلث ساعة أو أكثر على سبيل الاحتياط، وهذا وإن كان ظاهره الحرص، إلا أنه مخالف للسنة الصريحة التي حثّت على التأخير.

إن السنة هي أن تأكل وتشرب حتى يتبين لك الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. فما أجمل أن نُحيي هذه السنة في بيوتنا، ونعلم أبناءنا أن ديننا دين يسر، وأن في تأخير السحور رخصة نبوية وبركة إلهية.

كيف نطبق سنة تأخير السحور في حياتنا المعاصرة؟

لكي نطبق هذا الهدي النبوي بدقة، علينا مراعاة الآتي:

  • التنظيم الزمني: ابدأ سحورك قبل الأذان بحوالي 20 دقيقة، لتنتهي قبل الصلاة بمدار عشر دقائق أو ست دقائق كما فعل النبي ﷺ.
  • النية الصالحة: استشعر وأنت تتناول لقماتك الأخيرة أنك تقتدي برسول الله ﷺ، لتتحول العادة إلى عبادة تؤجر عليها.
  • الاشتغال بالذكر: اجعل الدقائق التي تلي السحور وقبل الأذان وقتاً للاستغفار، تطبيقاً لقوله تعالى: “وبالأسحار هم يستغفرون”.
  • الحذر من الغلو: لا تتنطع بترك الأكل قبل وقت طويل من الأذان ظناً منك أن هذا أفضل، بل الأفضل هو ما فعله نبيك ﷺ.

خاتمة: السحور عبادة لا مجرد عادة

في ختام هذا البيان، ندرك أن تأخير السحور ليس مجرد مسألة توقيت، بل هو منهج حياة يعلمنا الانضباط، والحرص على البركة، والتمسك بالسنة مهما بدت بسيطة في أعين الناس. إن الفارق بين سحورنا وصلاة الفجر يجب أن يكون تلك الدقائق الروحانية التي وصفها أنس رضي الله عنه بـ “خمسين آية”.

فيا عباد الله، تمسكوا بهدي نبيكم، وعظموا سنته، واعلموا أن الخير كل الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في ابتداع من خلف. جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ورزقنا الإخلاص في القول والعمل، وتقبل منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.

وصلّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *