بعد عقود من حكم الحزب الواحد والمركزية القاسية، وجدت سوريا نفسها بعد عام 2024 أمام واقع سياسي وعسكري معقد. فرغم رحيل النظام السابق، لا تزال قضية "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) تمثل العقدة الأبرز في منشار الاستقرار الوطني. ومع اقتراب عام 2026، تضيق الخيارات أمام جميع الأطراف، ليصبح السؤال الملحّ: هل تتحول "قسد" إلى جزء من مؤسسات الدولة، أم ستكون الشرارة التي تعيد خلط الأوراق الإقليمية؟
حلب: "الشيخ مقصود" كمرآة للصراع المتجدد
يُعد حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، بمساحته التي تقارب 4000 متر مربع، أكثر من مجرد منطقة سكنية؛ إنه بوابة إستراتيجية تطل على مفاصل المدينة الحيوية. ورغم التغييرات السياسية الكبرى في دمشق، لا يزال الحي، ومعه الأشرفية وأجزاء من بني زيد، خاضعاً لسيطرة الوحدات الكردية التي تبدي ممانعة واضحة في الانخراط الكامل تحت سلطة الدولة الجديدة.
تسلسل التصعيد الميداني:
- أبريل 2025: اتفاق مبدئي يقضي بانسحاب القوات الكردية، لكن التنفيذ ظل حبراً على ورق.
- أكتوبر 2025: اندلاع اشتباكات إثر تدمير نفق عسكري، توقفت بوساطة أمريكية عاجلة.
- ديسمبر 2025: تصعيد خطير شمل استخدام الأسلحة الثقيلة والدبابات، مما أسفر عن ضحايا مدنيين واستهداف مباشر لفرق الإسعاف، في توقيت تزامن مع زيارة وفد تركي رفيع لدمشق.
اتفاق مارس 2025: عندما يصطدم النص بالواقع
في العاشر من مارس 2025، وبمباركة أمريكية، وقّع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد "قسد" مظلوم عبدي اتفاقاً وُصف بالتاريخي. كان الهدف واضحاً: دمج القوات الكردية في الجيش الوطني السوري الجديد بحلول نهاية العام، مقابل اعتراف دستوري بالحقوق الثقافية والسياسية للأكراد.
ومع ذلك، برزت "شياطين التفاصيل" في آليات التنفيذ:
- رؤية "قسد": الإصرار على الانضمام ككتلة عسكرية موحدة تحافظ على هيكليتها وقيادتها، وهو ما تراه دمشق "جيشاً داخل الجيش".
- رؤية دمشق: الدمج الفردي للمقاتلين ضمن وحدات الجيش النظامي لضمان ولاء المؤسسة العسكرية للدولة وحدها، مع تقديم تنازل تكتيكي بقبول تنظيمهم في 3 فرق رئيسية تحت إشراف وزارة الدفاع.
معركة الموارد: النفط كأداة للمساومة السياسية
تسيطر "قسد" على نحو 70% من احتياطيات النفط والغاز السوري، وتتركز هذه الثروات في الحسكة والرقة ودير الزور. ورغم أن الإنتاج الحالي لا يتجاوز 14 ألف برميل يومياً، إلا أنه يمثل شريان الحياة المالي للإدارة الكردية.
بالنسبة للحكومة في دمشق، استعادة السيطرة على حقول النفط ليست مجرد مسألة سيادة، بل هي شرط أساسي لجذب الاستثمارات الخليجية والأمريكية (مثل كونوكو فيليبس) لإعادة إعمار البلاد. في المقابل، تستخدم "قسد" هذه الورقة للتفاوض على "صيغة فدرالية" تضمن لها حكماً ذاتياً مشابهاً لإقليم كردستان العراق، وهو ما ترفضه دمشق جملة وتفصيلاً خشية تفتت الدولة.
اللاعبون الإقليميون: الضغوط التركية والتحولات الأمريكية
لا يمكن قراءة مستقبل "قسد" بمعزل عن القوى الخارجية المؤثرة:
- تركيا: تنظر أنقرة إلى "قسد" كأمتداد لحزب العمال الكردستاني (PKK). يصر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان على حل "قسد" تماماً ودمج عناصرها كأفراد بعيداً عن الحدود، ملوحاً بالخيار العسكري كبديل دائم.
- الولايات المتحدة: بدأت واشنطن، خاصة مع إدارة ترامب، في تقليص التزاماتها. تشير


اترك تعليقاً