صراع البقاء.. كيف تقتل أزمة زيوت المحركات ما تبقى من حياة في غزة؟
مع إشراق كل صباح، لم يعد نقص الوقود هو الهاجس الوحيد الذي يؤرق الطواقم الفنية في قطاع غزة، بل برزت أزمة زيوت المحركات ونفاد قطع الغيار كخطر صامت يهدد بإطفاء المحركات التي تضخ الحياة في عروق القطاع المنهك.
محطات التحلية: عطش يلوح في الأفق
في محطة "عبد السلام ياسين" لتحلية المياه، تحول تشغيل المولدات من إجراء تقني روتيني إلى مقامرة يومية. فمنذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023، فرض الاحتلال الإسرائيلي قيوداً مشددة على دخول الزيوت الصناعية، مما أدى لنتائج كارثية:
- تراجع الإنتاج: انخفاض كميات المياه المحلاة بنسبة تصل إلى 40%.
- شلل لوجستي: توقف عدد كبير من شاحنات توزيع المياه بسبب غياب الصيانة.
- ارتفاع جنوني في الأسعار: قفز سعر لتر الزيت من 50 شيكلاً (16 دولاراً) إلى 800 شيكل (245 دولاراً).
ويؤكد مديرو المحطة أن الصمود بات مستحيلاً حينما تُفقد "المادة التي تحفظ حياة المحرك"، مشيرين إلى أن توقف المولدات يعني انقطاع المياه عن آلاف العائلات.
المخابز والمستشفيات: خطر التوقف القسري
لا تتوقف تداعيات الأزمة عند قطاع المياه، بل تمتد لتضرب "عصب الغذاء" و"ملاذ الشفاء":
1. رغيف الخبز في خطر
حذر رئيس جمعية أصحاب المخابز، عبد الناصر العجرمي، من أن المخابز قد تتوقف تماماً خلال شهر واحد. فالمخبز الواحد يعتمد على 4 مولدات تعمل لساعات طويلة، ومع غياب الزيوت وقطع الغيار، تصبح الأعطال الميكانيكية البسيطة كفيلة بإخراج خطوط الإنتاج عن الخدمة نهائياً.
2. المستشفيات وأقسام العناية
يشير المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن المولدات في المستشفيات تقترب من حدود التوقف التام. تعطل هذه المولدات لا يعني مجرد انقطاع كهرباء، بل هو حكم بالإعدام على المرضى في غرف العناية المركزة، وغسيل الكلى، وغرف العمليات.
الحلول الترقيعية واقتصاد "تفكيك الآلات"
أمام هذا الحصار الخانق، لجأ أصحاب المشاريع إلى حلول يائسة للحفاظ على استمرارية العمل، منها:
- تفكيك الخردة: شراء آلات متعطلة وتفكيكها للحصول على قطع غيار.
- إعادة تدوير الزيوت: استخدام زيوت محروقة أو مستخرجة من محركات قديمة، مما يعجل بتلف المولدات الحالية.
- تقليص ساعات العمل: خفض القدرة التشغيلية للحد الأدنى لتأجيل لحظة الانهيار.
المولدات التجارية: الظلام يزحف نحو المنازل
حتى شركات توليد الكهرباء الخاصة التي تضيء منازل المواطنين لم تسلم من الأزمة. فتكلفة صيانة مولد واحد بقدرة 250 كيلوواط أصبحت تتجاوز 24 ألف شيكل (7600 دولار) للدورة الواحدة، وهو عبء مالي وتشغيلي يفوق قدرة القطاع الخاص، مما يهدد بغرق أحياء كاملة في ظلام دامس.
خاتمة:
إن أزمة زيوت المحركات في غزة ليست مجرد مشكلة لوجستية، بل هي حلقة جديدة من حلقات التضييق التي تستهدف المنظومة الخدماتية برمتها. إن التدخل الدولي العاجل لإدخال هذه المواد الحيوية هو السبيل الوحيد لمنع وقوع كارثة إنسانية شاملة تصيب المياه والغذاء والصحة في آن واحد.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً