إنّ من أعظم الآفات التي قد تفتك بقلب العبد، وتفسد عليه دينه ودنياه، هو ذلك النزوع الخفيّ والرغبة الكامنة في أن يكون معظَّماً في أعين الخلق، محاطاً بهالات التبجيل والتقدير، سواء كان هذا التعظيم نابعاً من إعجاب ببطولة، أو هيبة لمكانة، أو شهرة ذائعة، أو حتى محبة مصطنعة. هذا التطلع القلبي لنيل حظوة التقدير البشري ليس مجرد هفوة عابرة، بل هو من كبائر المعاصي القلبية ومهلكات الأعمال، إذ يمثل انحرافاً بالنية عن وجه الله تعالى إلى وجهة المخلوقين، وهو ما يستوجب مقت الخالق سبحانه، ويؤدي بالتبعية إلى نزع البركة من العمر والعمل، وانغلاق أبواب التوفيق في وجه العبد.
تداعيات التعلق بالتعظيم على مسيرة العبد الإيمانية
عندما يتمكن مرض “محبة التعظيم” من سويداء القلب، فإنه يتحول إلى داء عضال يجر وراءه سلسلة من المفاسد والشرور. هذا المرض لا يكتفي بإفساد النية، بل يمتد أثره ليصبح دافعاً للوقوع في رذائل الأخلاق ومعاصي الجوارح، فالمرء الذي يقتات على ثناء الناس يجد نفسه مستعداً للتنازل عن قِيَمه في سبيل الحفاظ على صورته أمامهم.
ومن أبرز الآثار المدمرة لهذا الداء:
- ثقل الطاعات والكسل عن العبادة: يجد العبد نفسه مثقلاً حين يخلو بربه، حيث لا يوجد جمهور يصفق ولا مادح يثني، فتصبح العبادة عبئاً لا لذة فيها.
- فتور الهمة وضياع العزيمة: تضعف الدوافع الذاتية للعمل الصالح، وتصبح الهمة مرتبطة بمدى تفاعل الناس، فإن غاب الثناء انطفأت شعلة العمل.
- خطر الانتكاسة: وهو الثمرة المرة لهذا الطريق؛ فالنفس التي اعتادت على التصنُّع سرعان ما تنهار حين تصطدم بحقائق الابتلاء، وما رصد التاريخ انتكاسة لسالك إلا وكان في طوايا قلبه بقايا من حب الظهور أو شهوة التعظيم التي نخرت في أساس بنيانه الإيماني حتى تهاوى.
- إخفاء العمل الصالح: يحرص الصادق على جعل أعماله خبيئة بينه وبين ربه، فلا يظهر منها شيئاً إلا إذا ترجحت مصلحة شرعية يقينية في الإظهار، كقدوة حسنة أو تشجيع على خير، ومع ذلك يظل قلبه وجِلاً من دخول الرياء.
- الهروب من أضواء الشهرة: لا يبحث الصادق عن المنصات، ولا يتطلب الثناء، بل يفر من الشهرة فراره من الأسد، ويستشعر أن الخفاء أسلم لدينه وأحفظ لقلبه.
- الابتعاد عن مسببات التعظيم: يتجنب كل هيئة أو قول أو فعل قد يكون سبباً في أن يرفعه الناس فوق قدره، ويحرص على أن يرى نفسه دائماً في مقام العبودية والافتقار.
- التمحور حول محبة الله وحده: هو يعمل العمل لأن الله يحبه، لا لأن الناس يمدحونه. غايته العظمى ومطلبه الأسمى هو “إسلام الوجه لله”، كما وصفه الله تعالى بقوله: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}، فالمقصود هنا هو إخلاص القصد الكلي للخالق سبحانه.
- إخلاص الدين الشامل: يتمثل الصادق قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. وهذا الإخلاص ليس مجرد كلمة تقال، بل هو منهج حياة يستوعب الأقوال والأفعال، والحركات والسكون، بل وحتى النطق والسكوت. فكل حركة منه أو سكنة محكومة بسؤال واحد: هل هذا يرضي الله؟ وهل أريد به وجهه؟
تجليات شهوة التعظيم ومظاهرها في النفس البشرية
تتعدد الصور التي تبرز فيها رغبة الإنسان في نيل التعظيم، وهي صور قد تبدو في ظاهرها حسنة أو عادية، لكنها في باطنها تحمل سماً زعافاً يُفسد القلب:
أولاً: توهم البطولة والبراعة
يتجلى ذلك في حرص المرء على إبراز قواه البدنية، أو مهاراته الفنية، أو تفوقه في الميادين الرياضية والألعاب، لا لغرض التقوّي أو الترويح المباح، بل ليكون “بطلاً” يُشار إليه بالبنان. فيصبح همّه الأكبر وقبلته الدائمة هي نظرات الإعجاب في عيون المحيطين به، وتتحول مهارته من وسيلة إلى غاية في حد ذاتها، يسجد لها قلبه طلباً للإطراء.
ثانياً: تصنُّع الهيبة والوقار المصطنع
هناك من يبتلى بظنّ أن الهيبة تكمن في التثاقل المصطنع، وترك المزاح، ووأد الابتسامة، والامتناع عن قضاء حاجاته الشخصية بنفسه. يفعل ذلك ظناً منه أن مخالطة الناس والتبسط معهم يُسقط مكانته من قلوبهم. وهذا في الحقيقة تكبّر مُغلف بغلاف الوقار، حيث يخشى العبد أن يراه الناس بشرياً عادياً، فيتكلف من الهيئة ما ليس فيه ليحجز لنفسه مكاناً عالياً في صدورهم، غافلاً عن أن الهيبة الحقيقية هي وقار الإيمان الذي يقذفه الله في القلوب الصادقة.
ثالثاً: طلب المكانة بالعلم والبيان
هذا من أدق المداخل وأخطرها؛ إذ يستعمل العبد أدوات العلم الشرعي أو الثقافي لإظهار سعة علمه، أو حدة فهمه، أو فصاحة لسانه وقوة حجته في الردود والجدال. والدافع هنا ليس نصرة الحق، بل إخضاع الخصوم وإظهار التميز. وغالباً ما ينتهي هذا المسلك بصاحبه إلى احتقار الآخرين، وتتبع زلاتهم، والحسد لنجاحاتهم، والبغي عليهم بالقول والفعل، وهو واقع مؤلم نلمسه في الكثير من السجالات التي تحركها الأنا المتضخمة لا الرغبة في النصح والإرشاد.
رابعاً: هوس الشهرة الرقمية
في عصر التواصل الاجتماعي، صار حب الشهرة داءً مستطيراً؛ حيث يسعى البعض بكل قوته لإبراز نفسه في كل شاردة وواردة، ويحرص على توثيق أدق تفاصيل حياته ونشر صوره في كل مناسبة، لا لهدف معتبر سوى أن يبقى تحت الأضواء، وأن يحصد أرقاماً من المتابعات والإعجابات التي تشبع جوع نفسه إلى العظمة الزائفة.
خامساً: التصنُّع لنيل المحبة
قد يصل الحال بالعبد إلى أن يتصنّع اللطف، ويتكلف الحلم والكرم والتواضع، ويظهر زيفاً أنه رقيق القلب، كل ذلك ليرسم لنفسه صورة “الإنسان المثالي” في عيون الناس. والهدف من هذا السلوك ليس التقرب إلى الله بهذه الأخلاق، بل جلب مديح الخلق واستدرار ثنائهم، وهو نوع من المتاجرة بالأخلاق لأجل أهداف أرضية دنيئة.
الرؤية الشرعية والمنظور التيمي لإرادة العلو
إن كل هذه المظاهر تندرج تحت مسمى “إرادة العلو في الأرض”، وهي صفة ذميمة تنافي جوهر التقوى والإخلاص. وقد حسم القرآن الكريم مصير أصحاب هذه التوجهات في قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.
وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح هذه الآية العظيمة، موضحاً أن الله سبحانه جعل الفلاح في الدار الآخرة محصوراً في صنف واحد من الناس: وهم الذين تخلو إرادتهم من طلب العلو في الأرض أو إرادة الفساد فيها. فمن كانت لديه نية مبيّتة أو رغبة كامنة في التعالي على الخلق أو الإفساد في الأرض، فقد أخرج نفسه من دائرة الاستحقاق لتلك الدار التي خصّها الله بالمتقين.
ويؤكد شيخ الإسلام أن محبة الله والخضوع لجلاله يتنافيان كلياً مع إرادة العلو؛ لأن القلب لا يتسع لقبلتين. فالعبد الذي يرجو وجه الله لا يلتفت لمدح المادحين، والعبد الذي يسعى للفساد أو العلو قد قطع حبال الوصل بربه. فكل عمل، مهما بدا عظيماً في ظاهره، إذا لم يُقصد به وجه الله تعالى وحده، فهو عمل فاسد، وضار لصاحبه، ولن يجد ثمرته في الآخرة بل سيكون وبالاً عليه.
صفات العبد الصادق ومنهجه في مدافعة حب الظهور
أمام هذا الداء العضال، يبرز نموذج “العبد الصادق” الذي عرف حقيقة الدنيا وزيف التعظيم البشري، فنهج طريقاً مغايراً تماماً، تتلخص معالمه فيما يلي:
إن الطريق إلى الله محفوف بقطاع طرق من شهوات النفس وخفايا القلوب، وأخطر هؤلاء القطاع هي شهوة العظمة وإرادة العلو. فمن أراد السلامة، فعليه بتفقد قلبه في كل لحظة، ومساءلة نفسه عن دوافع عمله، والحذر الشديد من أن يشرك في عبادة ربه أحداً من خلقه، سواء كان ذلك بطلب مدحهم أو الخوف من ذمهم.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه. اللهم اجعل حركاتنا وسكناتنا خالصة لوجهك الكريم، وطهر سرائرنا من إرادة غيرك، ومن التعلق بثناء خلقك، واجعلنا ممن جعلت لهم الدار الآخرة بفضلك ورحمتك، يا حي يا قيوم.

اترك تعليقاً